کوالیس الحلف الخفي بين مصر و الکیان الإسرائیلي

الوقتزار مصر في الأسبوع الفائت بشكل سري مدير المخابرات المركزية الأميركية (CIA)، “جون برينان” والتقى مع الرئيس “عبد الفتاح السيسي” ومع نظيره، رئيس المخابرات العامة اللواء “خالد فوزي”. في اللقاءات وعد “برينان” بزيادة المساعدات التي تقدمها المخابرات المركزية لمكافحة مصر لإرهاب عصابات “ولاية سيناء” التابعة “للدولة الإسلامية”.

وتشكل زيارة “رينان” علامة إضافية على الجــــهد الذي تبذله الإدارة الأميركية لتحســـين علاقاتها مع مصر. فــــقد فترت العلاقات جدا في الآونة الأخيرة بسبب معارضة الرئيس “باراك أوباما” لســــيطرة الجيش بقيادة “عبد الفــــتاح السيسي” على الحكم قبل حوالي عامين، وطرده الإخوان المسلمين من السلطة التي وصلوا إليها في انتخابات ديموقراطية.

وأشارت المجلة الاستخبارية الفرنسية، “انتيلجانس أونلاين”، في عددها الأخير إلى أن الجيش المصري استعان حتى الآونة الأخيرة أساسا بالعون الاستخباري من إسرائيل وفرنسا.

وحسب ما نشر، فإن فرنسا توفر صور أقمار صناعية، فيما تساعد إسرائيل المخابرات المصرية في اعتراض الإشارات. وسواء كان ما نشر صحيحا أو غير صحيح، فإن الهيئة المركزية والهامة في إسرائيل التي تمتلك القدرات الأكبر في مجال الاعتراض الألكتروني هي الوحدة 8200 التابعة لشعبة الاستخبارات العسكرية. كذلك فإن لجهاز الأمن العام (الشاباك) والموساد وحدات تنصت وفك شيفرات في هذا المجال.

ويدير الشاباك منذ ســـنوات عدة وحدة خاصة مسؤولة عن إحباط الإرهاب المتمركز في شبه جزيرة ســـيناء. ورئيس الشاباك، “يورام كوهين”، الذي ينهي بعد ثلاثة شهور خمس سنوات في المنصب وليس واضحا إن كان سيتم تمـــديد ولايته لعام آخر أم لا وفق ما يسمح القانون، يعتبر شخصـــية معروفة لدى أجهــــزة الأمن المصرية. وقد سبق لكوهين أن زار القاهرة مرارا، أثناء عملية ما تسمی ب “الجرف الصامد” وما بــــعدها، وتباحث مع المصريين في مسائل تتعلق بحماس وبقطاع غزة.

وحسب تقسيم العمل في أســــرة الاستخبارات، فإن الموساد هو الجــــهة المسؤولة عن إنشاء العلاقات مع أجهزة الاستخبارات المناظرة. وفي الماضي نــشر مرارا أمر عقد لقـــءات بين رؤساء الموساد ونظرائهم المصريين، وعن زيارات هؤلاء لإسرائيل، كــــما كان يفعل اللواء عمر سليمان.

وليس سرا أنه منذ تولى المشير السيسي الحكم، نشأ بين إسرائيل ومصر تعاون وتنسيق وثيق في كل ما يتعلق بالمسائل الأمنية. والمصالح المشتركة التي تغذي هذا التنسيق هي في الأساس مكافحة حماس وداعش. وفي إطار التعاون تسمح إسرائيل لمصر بأن تدخل إلى داخل سيناء قوات أكثر مما تقرر في معاهدة السلام بين الدولتين في العام 1979. وينبع التعاون أيضا من الخشية من تعاظم قوة إيران.

ومع ذلك، فإن العلاقات ليست مجرد ذخر استراتيجي، وإنما هي أيضا عقبة تعرقل إسرائيل عن تحقيق تسوية في غزة وتحسين علاقاتها مع تركيا.

في هذا المجال أبدى الكاتب الصحفي “فهمي هويدي”، تخوفه من الحلف الإقليمي بين مصر وإسرائيل، والذي كشفته صحيفة “يديعوت أحرونوت”، موضحًا أن العلاقات بين البلدين باتت تحتاج إلى تحرير يوضح خطوطها الصفراء والحمراء. کتب “هويدي”، فی مقاله بصحيفة “الشروق”: ثمة لغط يبعث على الحيرة والقلق فى شأن العلاقات المصرية الإسرائيلية، التى تشير قرائن عدة إلى أنها باتت تحتاج إلى تحرير يوضح خطوطها الصفراء والحمراء. ولست أخفى أن تلك الحيرة انتابتنى حين صوتت مصر لأول مرة فى تاريخها لصالح ضم إسرائيل لعضوية إحدى لجان الأمم المتحدة فى شهر أكتوبر من العام الماضى. ولم اقتنع بالتبريرات التى ذكرت آنذاك. التى كان منها أن ما حدث كان نتيجة التباس وخطأ فى تلقى التعليمات. وكنت قد سمعت ذلك من أحد المراجع ذات الصلة بدوائر القرار فى مصر.

تجددت عندى تلك الحيرة المشوبة بالقلق بعدها وقعت على مقال افتتاحى نشرته صحيفة “يديعوت أحرونوت” يوم الخميس الماضى (٢٨/١)، كتبه صحفى إسرائيلى و هو “أليكس فيشمان” المحلل العسكرى المعروف بصلاته الوثيقة بأركان السلطة وأجهزة الأمن. إذ ذكر الرجل فى مقاله أن هناك تحالفا أمنيا اقتصاديا نسج فى الخفاء على أساس “استراتيجى صلب” يضم كلا من “اليونان وقبرص وإسرائيل ومصر”، وبشكل غير مباشر الأردن. وهو ما أطلق عليه وصف “حلف دول الحوض الشرقى للبحر المتوسط”، (تركيا مستبعدة منه لأسباب مفهومة)، أشار الكاتب إلى أن رئيس وزراء اليونان “إليكس سفراس” وبعض وزرائه وصلوا إلى الاراضی المحتلة يوم الأربعاء (السابق على نشر المقالة) للمرة الثانية خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة للتباحث مع رئيس الوزراء الإسرائيلى حول التعاون الأمنى بين البلدين فى مكافحة الإرهاب، إضافة إلى التعاون فى مجال الطاقة الاقتصادية ــ ذكر “فيشمان” أيضا أن الأتراك “قلقون” من محور البحر المتوسط الجديد بسبب إمكانية عزلهم، “ليس فقط عسكريا بل واقتصاديا أيضا” مشيرا إلى أن إسرائيل متمسكة بعلاقتها مع اليونان على حساب الأتراك، ومشددا على أن مصر تنظر”بعين الاشتباه” إلى كل تقارب إسرائيلى مع تركيا التى وصفها بأنها “منبوذة”، وأكد فى هذا الصدد على أن مصر من وجهة النظر الإسرائيلية تعد “مرسى استراتيجيا ثانيا فى الأهمية بعد الولايات المتحدة”.

تابع الهویدي فی مقاله؛ أن هذا الحلف الذى تحدث عنه المحرر العسكرى الإسرائيلي لم نسمع به من قبل ولا أريد أن أصدق وقوعه، و لفت نظری أن الموضوع على أهميته قوبل بصمت من جانب القاهرة، فلا هو صوب أو كذب، على الأقل خلال الأيام الأربعة التى أعقبت النشر. وهو ما يفتح الباب للتأويل والبلبلة والذهاب بعيدا فى إساءة الظن. يسهم فى البلبلة أن اليونان وقبرص تقومان بدور مشبوه لصالح إسرائيل فى الساحة الأوروبية، وحسبما ذكرت التقارير الإسرائيلية فإن رئيس الوزراء “بنيامين نتنياهو” اعتمد عليهما فى مساعيه لتخفيف العقوبات التى كان يفترض أن يقررها وزراء خارجية الاتحاد الأوروبى بخصوص تمييز منتجات المستوطنات فى الأسواق الأوروبية بسبب عدم اعتراف القانون الدولى بشرعيتها.

وقد أدان المجلس المركزى الأرثوذوكسى فى فلسطين هذا الأسبوع سياسة الحكومتين اليونانية والقبرصية المنحازة لإسرائيل. وأصدر المجلس يوم الجمعة الماضى (٢٩/١) بيانا ذكر البلدين بما تمارسه حكومة إسرائيل من تعسف وبطش ضد المسيحيين وعموم الشعب الفلسطينى. وانتقد البيان زيارات المسئولين اليونانيين والقبارصة لإسرائيل مشيرا إلى أن المجلس الأرثوذوكسى “ينظر باستغراب شديد إلى هذا التحول فى المواقف السياسية والاقتصادية من جانب الحكومتين الصديقتين، الذى سيؤثر بصورة سلبية على حقوقنا الوطنية والسياسية والاقتصادية”. أشار التقرير الذى نشرته صحيفة “الحياة” اللندنية عن الموضوع يوم السبت ٣٠/١ إلى أن الأرثوذوكس يشكلون الغالبية العظمى من مسيحيى فلسطين ويتبعون الكنيسة اليونانية.

كما أن الكنيسة الأرثوذوكسية تمتلك ١٥٪ من أراضى فلسطين التاريخية. وتقع بعض أملاكها فى مواقع حساسة مثل القدس القديمة التى تمتلك الكنيسة الجزء الأكبر منها. ذكر التقرير أيضا أن “دير مار يوحنا” الذى يقع فى قلب مدينة القدس والمجاور لكنيسة القيامة مغتصب من قبل المستوطنين الصهاينة ولم يبذل أى جهد لاسترداده. ونقل عن بيان المجلس المركزى الأرثوذوكسى أمله فى أن تؤيد الحكومتان الصديقتان “نضالنا ضد تسريب وتهويد العقارات والأوقاف والإرث التاريخى الأرثوذوكسى.. الأمر الذى يسهم فى هجرة أبنائنا العرب المسيحيين عموما والأرثوذوكس خصوصا، مما يسهم فى إفراغ الوطن من مكون أساسى من مكوناته”.

فی نهایة مقالته اشار الهویدی الی أن” تطول قائمة الأسئلة الحائرة والقلقة، بحيث تتجاوز مسألة الحلف الذى تحدث عنه المحلل العسكرى “اليكس فيشمان”، لتشمل طبيعة وآفاق التعاون القائم بين مصر من جانب واليونان وقبرص من جانب آخر. وأرجو ألا تطول حيرتنا بحيث نظل فريسة للبلبلة والشكوك.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى