يارب رمضان .. لا تحرمنا الغفران

بقلم : أمير شفيق حسانين

أمير شفيق حسانينلا أكاد أصدق .. أأوشك الضيف العزيز أن يأذن بالرحيل .. يا تُري هل سنكون من أهل الدنيا عندما يأتي رمضان القادم .. كم من فقيد صار تحت التراب ولم يلحقنا في رمضان هذا ، وكم من عزيز لحق بمعسكر الموتي قبل أن يأتي رمضان هذا ، فيا له من فضل كبير أن كتبنا الله بين الأحياء في هذا الشهر الكريم ، ويا ليت العام كله رمضان .. كل عام ننتظر قدوم رمضان ، نعُد الأيام ونُحصي الليالي ، تدمع الأعين وتقشعر الأفئده عندما نرفع أيدينا ، داعين رب العباد أن يطيل في أعمارنا سنيناً أخري لنحيا إلي رمضان القادم .. دائما نشتاق إليه ، هذا الشهر الفضيل الكريم الذي جعله الله فرصة هائلة للتوبة والمسارعة في استغفارالغفارعن الذنوب وستر العيوب ، ومحو الآثام التي تصيبنا بفعل الشيطان ومطاوعتنا لوسوسته التي تهلك كل عاصي لله ، ولكن عفو ربنا دوما يحفظنا من أن نكون غرقي في بحور الشياطين ، تلك الشياطين العاصية التي تُصفَد رغماً عنها في أول ليالي رمضان .

وكم تتسع رحمات ربي ، وتتفتح أبوابه للتائبين الطامعين في رحمته ، ثم يمتن علينا الوهاب ، كل عام بشهر تتكاثر فيه الحسنات ، لا ينتهي خيره ، ولا تتكاسل فيه الهمم ، بل تزداد فيه الطاعات ، تُؤدَي فيه الزكاة للفقراء والمساكين ، فيسعدوا ، وتسعد معهم قلوب من أدوا فريضة الزكاة عن أنفسهم وأولادهم ، إنه رمضان تلك الهبة الإلهية التي لا نحصي قدرها ، يهبها ربنا اللطيف بعباده ، وهوغافر الذنب وقابل التوب ، يرحم من يشاء في أول رمضان ، ويغفر لمن يريد في أوسط شهر الصيام ، ويعتق من النيران من أصاب رضاه في آخر شهر القرآن .

تعودنا منذ أن كنا صغاراً أن نذهب للمساجد مع أبائنا وأجدادنا الكرام ، إلي بيوت الله العامرة ، ولا أنسي ذكرياتي في مسجد آل عزام بقرية الرمالي بقويسنا ، كنا نصلي خلف الشيخ سليمان عزام ، وأحيانا الشيخ محمد عبدالتواب ، نصلي معهم ، نقوم ، ونركع ثم نسجد ، وندعو الله ونطيل الدعاء في السجود ، نحاول الحفاظ علي صلاة السنَة مثلما نلتزم بصلوات الفرض ، لا نغادر المُصَلي قبل أن نختم الصلاة ، ونقرأ ما تيسر من القرآن مع رفقاء المسجد والقرناء والأحباء …

يأتي شهر الخير .. فتفرح قلوبنا وتقر الأعين بالمشهد القرآني الكريم ، ونحن جلوس ، كل يوم بعد صلاة العصر ، نقرأ القرآن ، فرادي وجماعات ، نجتهد يوما بعد يوم ، نسابق ساعات الضيف الكريم ، لكي نختم قراءة القرآن كاملا ، ومنَا من يبذل الجهد ، ويستثمر الوقت كي يختم القرآن مرات عديدة ، والكل يبغي الأماني لنيل الثواب الأعظم قبيل رحيل شهر الإحسان .

نجلس قبيل أذان المغرب بنصف الساعة ، نستمع لقرآن المغرب ، وتطرب آذاننا بصوت قراء مصر أمثال الشيخ البنا والشيخ عبدالعزيز حصَان ، والقارئ محمد صديق المنشاوي ، ولا ننسي الصوت الملائكي للشيخ محمد رفعت ، وآخرون أولي فضل ، لا تنساهم ذاكرة إذاعة القرآن الكريم .

يمر الوقت ، ثم يرفع آذان المغرب جارنا الطيب الحاج إبراهيم عبدالتواب ، فنُعجَل بالفطر ، ونحمد الله علي فرحة الإفطار ، وإتمام الصيام ، ثم نصلي المغرب ، وننتظر حتي صلاة العشاء ، فنذهب للمسجد ونراه ممتلئاً بالمصلين شباباً ورجالاً وأطفالاً ، والنساء في مُصَلي النساء ، جاء المصلون جميعاً وأشتاتا ، يصطفون صفوفاً متساوية ، في مشهد رمضاني رائع ، حضروا لأجل صلاة العشاء والقيام ، طامعون في استبدال السيئات بالحسنات ، نادمون علي ما فات من زلات وتقصير في العبادات ، راغبين في الرحمات ، يصلون ويبكون ، ويدعون ربهم خوفاً وطمعاً في عفوِه وعافيته .

كان يأتي رمضان في الشتاء ونحن صبية صغار، نلعب بالفوانيس التي تُضيئها الشموع ، إحتفالاً منا بقدوم العريس التي تستمر أفراحه ثلاثون يوماً وليلة كلها بركة وطاعات ، وكان يوم رمضان قصير ، تمر ساعات نهاره سريعة لا نشعر بها ، فكان سهل صيامه ، ، أما ليل الشتاء فهو طويل ، وفرصة للعبد أن يقوم الليل ، ثم ينام فلا يشعر بتعب من نقصان ساعات نومه ، ثم تمر الأيام ويأتي رمضان في الصيف ، وكم كنا نخاف من الصوم والعطش في ذلك الجو شديدة الحرور ، ولكن الله لا ينسي عباده ، بل يعينهم علي طاعته ، فمنحنا سبحانه القدرة علي الصبر والتعود ، فصُمنا بعون الرحمن ، وما غضبنا من حر الأيام ، فكل أيام الله خير .

ننتظر رمضان كل عام ، لأجل صلاة التهجد مع إخواننا الفضلاء بمساجد القرية ، وكم نفرح بالتهجد والتذلل والوقوف كثيراً أمام الرحمن ، وبجوارنا الضعفي والمرضي ، يقفون تارة رغم آلام مرضهم ، ويجلسون تارةً أخري ، لا يشغلهم المرض ، بقدر ما يشغلهم نيل الأجر الوفير ، تحدِثهم أنفسهم أنه ما بقي في العمر قدر ما قد سلف ، الجميع يجتهد في العشر الأواخر من رمضان يبتغون أن تُصيبهم ليلة القدر في رمضان هذا ، أو يأملون أن يكون أصابهم خيرها في سنين رمضان التي انقضت ، فتصيبهم رحمة الرحمن ، فيسكنوا أعلي الجنان ، بفضل شهر الإحسان .

ساعات وينقضي رمضان ، فالقلوب حزني ، والأعين لا تستطع أن تحبس دموعها حزناً علي فراق المنحة الربانية بتكفير الذنوب ، وأملاً في تفريج الكروب وستر العيوب … يتسائل السائلون – وأنا منهم – هل سنلحق برمضان آخر ، هل سنكون من بين الأحياء عندما يأتي رمضان في سنين قادمة ، الأنفس تبتهل ، والألسنة تشارك القلوب في الدعوات والأماني أن يبلغنا الله القدير ، رمضان أعواماً عديدة ، فلا ينقضي الأجل أو نُسلم الأرواح ، إلا وقد وهبنا الله ثواب رمضان ، فلا يحرمنا من نعمائة الواسعة ، ربنا إقبلنا ، وتقبل منا ، إنك سميع الدُعاء .

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى