وزِّرونا وخذوا ما يُدهش العالم.200 سيرة ذاتية لمهندسين ومحامين وصحافيين من «حزب التكنوقراط»

غسان سعود –128444662681115201_alakhbar

ورد إلى منزل سلام أكثر من مئتي سيرة ذاتية لمهندسين ومحامين وصحافيين من «حزب التكنوقراط»

المستوزر غير الوزير. المستوزر ينظر في المرآة فيرى نفسه وزيراً. المستوزر يرى نفسه، تصحيحاً، أفضل وأكفأ وأفهم ممن يتوارثون الوزارات. المستوزر طموح. المستوزر تكنوقراطي طموح. والمستوزرون كثر. يرفعون المعنويات؛ معنوياتهم ومعنويات الرئيس المكلف تشكيل الحكومة. لولاهم لما صدّق النائب تمام سلام أنه فعلاً من يشكل الحكومة

تكاد تفقد عاملة التنظيف في منزل رئيس بلدية جبيل زياد حواط عقلها. لا تستوعب المسكينة سبب دأب رب عملها على النوم منذ نحو عشرة أيام بالبذلة الرسمية وهرعه للرد بنفسه على تلفون المنزل. عبثاً يشرح لها «معاليه» ــ إن شاء الله ــ أن اتصالاً هاتفياً يمكن أن يرده في أية لحظة ليطلب منه التوجه إلى القصر الجمهوري لالتقاط الصورة التذكارية في حكومة تمام بيك سلام.

Minister, I may be a minister. أما جوزف بو شرف فنصب في باحة دارة آل سلام خيمته، خوفاً من أن يضيع الرئيس المكلف تشكيل الحكومة تمام سلام في الأسماء، فيسقط سهواً اسم شقيقه نقيب الأطباء شرف بو شرف من قائمة الوزراء. كسروانياً، أيضاً، «تشط ريلة» الوزير السابق يوسف سلامة على الوزارة، فتختلط الأمور عليه ويظن دارة سلام مدرسة داخلية يمكنه النوم على أحد كراسيها. ومن رافق سلامة يوم كلف سلام تشكيل الحكومة لزيارته، يؤكد أنه ما كان يعرف أين يقع البيت، لكنه تحول فور وصوله إلى واحد من أهله، إلى درجة أن البيارتة الذين كانوا في المنزل تساءلوا ابن أي «أبو عبد» منهم هو.

أما الوزير السابق فارس بويز فيختبر هذه المرة، ونهائياً، إن كان التقمص ممكناً أم مجرد نظرية. بينما أخرج الوزير السابق آلان طابوريان بذلته الرسمية؛ نظّفها وهفهفها وكواها وعاد منذ عشرة أيام للنوم بها. أما عضو بلدية بيروت خليل برمانا فـ«طاحش» على الوزارة هو الآخر. ليس فقط لأنه من المصيطبة على غرار تمام بيك، إنما «لأننا صديقان، ووالده ووالدي كانا أعزّ الأصحاب». يسأل برمانا، بلهفة، كيف وصل اسمه إلى الصحافة، وفور استعادته دقات قلبه الطبيعية يشير بلهجة السياسيّ العتيق الى أن «لا شيء واضحاً حتى الآن» و«الأمور مشربكة» و«لا تتضح عادة معالم الحكومات حتى ربع الساعة الأخير». بعض زملاء برمانا في مجلس بلدية بيروت يحتفلون بالشائعة، ليس محبة بزميلهم بل فرحاً بفرصتهم الثمينة للتخلص منه.

وفي كل الحالات، هذه فرصة المرشح السابق للانتخابات النيابية، البشيريّ اللحوديّ الفرعونيّ الجعجعيّ السليمانيّ، دافيد عيسى. رأى الأخير في آخر مقالاته أن «على المسيحيين لعب دور الجسر بين مختلف الطوائف ودور الإطفائي المخمد لنار الفتنة المذهبية السنية ــ الشيعية». هكذا يكون المرء تكنوقراطاً. حين يتعلق الأمر بالتكنوقراط وتوابعه من أناقة وتهذيب ونفث لدخان السيغار، لا ينافس أحد «دايف» في التكنوقراطية.

ورد ــ جدياً ــ إلى منزل الرئيس تمام سلام أكثر من مئتي سيرة ذاتية لمهندسين ومحامين ومحللين سياسيين وحتى صحافيين من حزب التكنوقراط، يتوقعون من الرئيس المكلّف مراعاة طموحهم في اختيار وزرائه. لا يكبّد المنتسبون إلى هذا الحزب أنفسهم عناء التدرج في حزب، أو استرضاء رئيس هذا الحزب، ولا يخوضون غمار العمل الاجتماعي أو النقابي أو غيره، ولا يشقون ليبيّنوا رصيدهم الشعبي الوازن في انتخابات نيابية، يكتفون بتربيح سلام أو غيره جميل استعدادهم للوقوف إلى جانبه. ودفاع أحد هؤلاء عن نفسه قوي: «أنا لا أعرف فلاناً ليتوّجني في برنامجه التلفزيوني أو مقالته حبيباً للجماهير وفطحل عصري، كما يفعل مع صديقه كلما هوت حكومة وابتدأ البحث عن أخرى. ولا أملك شركة إعلانات لأزين الطرقات بصورة الرئيس المكلف. لكنني أكفأ (ينسى أن يقول: بنظر نفسي) ممن يتوارثون الحقائب الوزارية، وأملي الوحيد هو في أن يشاركني الرئيس المكلف النظرة والاعتقاد». لا يكاد يسلّم أحد زوار سلام عليه، حتى يضع سيرته الذاتية في جيبه، ويردد كأنه في واجب عزاء «إن شاء الله تشكل حكومة أوادم، مثلك ومثلنا». وليس وسط التكنوقراط أكثر من «الأوادم». أليس كل أطباء البلد ومحاميه ومهندسيه وسياسييه وتجاره وإعلامييه «أوادم»؟

يلعب بعض الوزراء الحاليين والسابقين الدور الرئيسي في «بوخرة» الرؤوس. حين يكون الوزير مروان شربل وزيراً للداخلية، لا تعود شهوة النائب ميشال الحلو لحقيبة الداخلية مشكلة. ألم يُصعِّب توزير فايز غصن الاستهزاء بتوكيل حكومة الاستقلال أمر الدفاع عن سيادة البلد واستقلاله للمير مجيد ارسلان؟ وحين يكون النائب سليم كرم وزيراً لا يغدو تخيل الوزير السابق وديع الخازن وزيراً مرة ثانية أمراً صعباً. يبحث رئيس المجلس العام الماروني بينه وبين نفسه إمكان نشر إعلان في «الوسيط» أو «الوكيل» يعرض فيه خدماته الوزارية، تحت عنوان: «أنا وتمام بيك أهل وأخوة وأعز الأصحاب».

كل من كان يقف وسط حشد لوّح له الرئيس صائب سلام يوماً يصف نفسه اليوم بصديقه. كل من رد تحية النائب تمام سلام في مطعم يوماً يقسم اليوم أن معدته ما كانت تهضم الأكل قبل أن يسبقه سلام بالأكل. كل من زار دارة آل سلام فوجدها مفتوحة على عادتها من دون حراس، بات يعتبرها داره. كيف تقنع الزوجة زوجها بأن عودته إلى البيت بصورة على هاتفه تضمه والرئيس المكلف لا تعني أبدا أنه سيعود في اليوم التالي مع حقيبة وزارية. وكل من يتقن اللهجة البيروتية صار يريد إقناع من يعنيهم ولا يعنيهم الأمر أنه كان من بين الـ3516 مقترعاً سنياً الذين حصل سلام على أصواتهم في المصيطبة والباشورة عام 2000 في مواجهة لائحة الرئيس رفيق الحريري التي حصدت ممثلة بوليد عيدو وباسم يموت نحو 18 ألف صوت سني. لعل تهذيب تمام بيك وعادات ذلك البيت هما السبب.

حكومة التكنوقراط فرصة كل العاطلين من العمل السياسي لولوج هذا العالم أو العودة إليه. «الوزير السابق الياس المر مرشح جديّ»! والمر تكنوقراطيّ، يمكن المشككين بخبرته العملية سؤال صديقه الوزير السابق إيلي حبيقة أو صحبه في السفارات الأميركية والسورية والفرنسية. وتزداد تكنوقراطيته تكنوقراطاً، يعتقد، حين تتوقف «جمهوريته» عن «نقد» العونيين. تكنوقراطي كل من يتحدث الفرنسية، يعتقد الوزير السابق سليم الصايغ. الوزير نقولا نحاس مرشح للاستمرار في تصريف الأعمال في الحكومة المقبلة بحكم إنجازاته الكثيرة في وزارة الاقتصاد. أما مستوزر هذه الأيام الأبرز فهونعمة افرام: عقدة تجاوز الأب حُلّت في الشركات التجارية. أما في السياسة فيستحيل تجاوز النائب والوزير السابق جورج افرام بغير وصول الابن إلى رئاسة الجمهورية. وقد خطط نعمة جدياً لذلك. فمن رئاسة جمعية الصناعيين، كان يأمل الانتقال إلى المجلس النيابي، ومنه إلى الحكومة مع حقيبة «مستقبلية» مميزة، ثم رئاسة الجمهورية، في ظل احتراق مختلف مرشحي 14 آذار وصعوبة بلع معظم القوى لصورة سمير جعجع على كرسي بعبدا. لكن تشكيل الحكومة في هذا التوقيت اضطره أن يعيد جدولة أحلامه. وتعهد افرام، الذي ما عاد يوفر الوزير السابق زياد بارود من انتقاداته باعتباره منافسه الجديّ الوحيد، لرئيس الجمهورية أن يخلي مقعده على اللائحة الكسروانية لصهره وسام بارودي ويضع كل رصيده الشعبيّ (الضئيل، مقارنة بوالده) بتصرفه. وزّروني وخذوا ما يدهش العالم.

المستوزرون: زياد بارود زينتهم، جهاد أزعور أشطرهم، طلال المرعبي أثبتهم، سعد الدين الوزان أهضمهم، رشيد درباس أجددهم، صائب مطرجي أجدهم، راغب علامة أجمل أصواتهم، والشاطر من يقنع مستشار وزير التربية غسان شكرون والمحامي داني رنّو والمصرفي كارلوس أبو جودة بأن من يقنعهم بجدية حظوظهم بالتوزير يتاجر بهم، كما سبق أن تاجر بأحلام غيرهم.
المستوزرون يستهلون نهاراتهم هذه الأيام بقراءة الصحف، «مغوغلين»، بحماسة، أسماءهم بحثاً عن حلمهم. وحين يسألون عما يشاع يرفعون أياديهم مبرئين أنفسهم من رغبات كهذه. ليس بالضرورة أن يوزروا؛ يكفي واحدهم أن تتغير نظرة المحيطين به، وحتى زوجته، إليه حين تشير الصالونات مستقبلاً إلى أنه «كان مطروحاً يجي وزير، لكن تسييس الحكومة أبعده».

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى