واشنطن: حرب شيعية بضحايا سنية؟

جان عزيز –

… والآن، وبعد قمة الثماني الكبار، وخصوصاً بعد كلام أوباما على هامشها، حول سوريا ومصير «ثورتها» و«ثوارها» وطمأنة بشار الأسد أو اطمئنانه قبل القمة وبعدها… بعد ذلك كله، أما آن الأوان لمراجعة الحسابات والمواقف؟ أما دقّت ساعة الواقعية، خصوصاً في مركز القرار الحريري، حيثما كان هذا المركز، داخل العائلة أو داخل تيارها، داخل لبنان أو خارجه؟

قد يعيش «ثوار» سوريا وداعموهم في هذه الأثناء، والحريريون من بينهم، مرارة كبيرة، وخيبة عظيمة. وقد يختبرون الشعور بأنهم غُدروا، وخُذلوا واستخدموا واستهلكوا، قبل أن يُرموا بلا حساب ولا اعتبار. شعور عرفته جماعات كثيرة من قبل، في علاقاتها مع الطرف الغربي نفسه، وتحديداً مع الأميركي. مسيحيو لبنان مشوا على هذه الدرب، مرات عديدة. بعضهم تعلّم، وبعضهم الآخر لم… ولن. دول كبيرة عرفت التجربة نفسها. قصة الحليف الأميركي الذي ينام حاكماً على وعود واشنطن، قبل أن يفيق محكوماً على وقع عدم معرفتها به ولا بما به … قصة تقليدية في أدبيات العم سام وأيتامه ــــ الضحايا.

حتى أن قساوة التجربة قد تدفع هؤلاء إلى تبني نظرية المؤامرة، وسيلة وحيدة لدفاع نفساني يحول دون جنونهم ويجنّبهم نمط السلوك الانتحاري. نظرية المؤامرة هذه بالذات، بدأت تتسرب إلى هذا الفريق. بدأ بعضهم يفكر ويقول، ان واشنطن منذ عقد ونيّف تضحك على كل هذا العالم السني. هي منذ زلزال 11 أيلول تناور على السنة في كل العالم. هي لم تغفر تلك اللحظة، لم تنس الاعتداء الثالث في التاريخ على أرضها، منذ كانت «أمة عظيمة». وهي مذذاك قرّرت الانتقام من فاعليه، والاقتصاص من مرتكبيه. لا من رفاق محمد عطا وتلامذة عبدالله عزام وجهاديي أسامة بن لادن وحسب. بل هي منذ سقط البرجان، قررت أن تُسقط المنظومة الفكرية والسياسية والاقتصادية التي تعتقد وتعتبر أنها كانت خلف هؤلاء، حاضنة لهم، منبتة لأفكارهم، وحقلاً ليناع جهادهم ونضوج سلوكهم.

ثمة في العالم السني من بدأ يعتقد أنه منذ 11 أيلول 2001، قررت واشنطن أن تضرب العالم السنّي في كل العالم. أخطأ جورج دبليو بوش بأن ذهب إلى الهدف على طريقته البولدوزرية. ففشل. لم تغيّر واشنطن هدفها، بل كيّفت الوسيلة وبدّلت الأسلوب.

وإلا، هل هي مصادفة بعد 12 عاماً على حرب واشنطن المزعومة على الإرهاب، وبعد نحو 35 عاماً من مواجهتها مع إيران وثورة الخميني والشيعية الجهادية القافزة والتصديرية، أن تحصي ضحايا تلك الحرب، فتجدهم كلهم من السنة؟ حرب أميركية على إيران، لا يسقط فيها، أو في غضونها أو على ضفافها، إلا زعماء السنة. ولا تنهار فيها إلا دول السنة. ترفع أميركا صوتها ضد نظام الملالي، لكن من يُضرب هو صدام حسين، ومن يُقتل هو أسامة بن لادن، ومن يُستأصل هو نظام «طالبان». تفرض واشنطن عقوباتها على طهران، لكن رموز السنّة في كل العالم هم من يختفون، بكل أشكال الاختفاء: أبو عمار يموت بالعمر أو بالسم، رفيق الحريري ينفجر ويحترق، صدام يُعدم، مبارك يسجّى حياً محكوماً، القذافي يشنّع به حياً وميتاً، مشرّف يهرب من قاعة المحكمة مهرولاً، حتى إردوغان تلحقه الإهانة، فيتحوّل ميني كاريكاتور لسلطان سلجوقي في آخر أيام حكمه، فيما مرسي، باكورة الحكام الإخوانيين، يصير رمزاً لكل سخرية وهزء وفشل، ويصير هدف الثورة الفعلية…

كل ذلك، فيما الحرب الأميركية على الهلال الشيعي يقولون… هل يُعقل؟ فكيف لنظرية المؤامرة ألا تتسلل إلى العقول والقلوب والسلوكيات والقناعات؟

آخر التجارب كانت سوريا. قبل عامين، بدأت تخرج النظريات حول نية واشنطن تصحيح الصورة والمسار. قيل يومها إن المالكي قبض على السلطة في بغداد، ما يعني حكماً شيعياً هناك باسم الأكثرية والجوار ومنطق الظلم التاريخي. وبالتالي فالمبدأ نفسه، ستطبّقه واشنطن في دمشق: يذهب الأسد ويأتي السنة إلى الحكم هنا، بمنطق الأكثرية والجوار التركي وظلم السنة نحو نصف قرن. بعد سنتين ونيّف، جاء أوباما إلى إيرلندا، حيث تصارعت جماعتان دينيتان بالدم والنار طيلة قرون، ليعلن أنه لا يمكن له أن يدعم السنّة في سوريا. كأنه يقول إن هذا «المكان» وحربه ليسا غير كمين، ليصير أفران غاز ميدانية لكل جهاديي العالم السني، ولآخر الناجين من حرب واشنطن على «هنود حمر» 11 أيلول.

ماذا يفعل الحريري وسط هذا المشهد؟ يمكنه طبعاً الاتكال على قدرة السعودية على شراء بوليصة تأمين لحياته السياسية في كل حين. ويمكنه ــــ من دون جدوى طبعاً ــــ محاولة تقليد بهلوانية وليد جنبلاط، بين الضرب بسيف الأسد لحظة، ومحاولة ضربه بأي سيف في اللحظة التالية. ويمكنه الرهان على مثال ميشال سليمان، سياسياً متقاعداً بعد أشهر قليلة. لكن توازن البلد، وميثاقه، ومقتضيات كيانه، تفرض على الحريري التفكير خلاف ذلك. لأن لبنان لا يحتمل مهزوماً نهائياً، ولا يحمل منتصراً واحداً. فهل من فرصة؟

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى