… هل تجرّ المنطقة إلى حرب؟

هل تُقدِم تل أبيب على تكرار اعتداءاتها على سوريا؟ قرار بات أصعب من ذي قبل، ولم يعد إسرائيلياً خالصاً، بل صارت أميركا شريكة فيه

 

يحيى دبوق

محاولة إسرائيل فرض معادلة جديدة على أعدائها في سوريا، تمنع بموجبها تزويد حزب الله بالسلاح، وصلت كما يبدو إلى نقطة حاسمة، تنذر بإمكان إدخال المنطقة في المجهول، في حال تكرارها.

تهديد تل أبيب الأخير، والصادر عن رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، عبر صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، بإسقاط نظام الرئيس السوري بشار الأسد إن قرر الردّ على اعتداءاتها، هو تعبير عن مستوى مرتفع من القلق، بقدر ما هو تهديد وتصعيد، ويشير إلى أن واقع ما بعد الضربات، كما التهديد باستمرارها، لا يتوافق مع الحسابات الإسرائيلية الابتدائية، بفرض معادلة منع التسليح على حزب الله، بلا أثمان أو تداعيات.
تأجيج الخطاب التهويلي، ورفع الصوت يوجب عرض الآتي:
أولاً: بات واضحاً أن قراراً صدر في تل أبيب، يقضي بمحاولة منع حزب الله من التزود بالسلاح، سواء من سوريا، أو عبرها. وتكرار الاعتداءات في سوريا يؤكد وجود إصرار بفرض معادلة المنع الجديدة، وعلى وجود تقدير بإمكان تحقيقها، بالقوة العسكرية المباشرة.
وما كان القرار ليتبلور أساساً، لولا التقدير المسبق باستبعاد الرد السوري، وهو تقدير مبني على أن النظام بات يحصر انشغاله بمعالجة أعدائه في الداخل وصدهم، وبالتالي سيفضل الرضوخ للمعادلة الجديدة، بدلاً من اللجوء إلى الرد، الذي قد يكلفه الكثير، بل ويمكن أن يدفع إلى إسقاطه.
ثانياً: يبدو أن واشنطن شاركت تل أبيب في تقدير استبعاد الرد. صحيح أن حسابات واشنطن قد تزيد على حسابات تل أبيب، وتحديداً لجهة الفائدة الممكن استحصالها من الاعتداءات، لكن يمكن تأكيد وجود تنسيق مسبق بين الجانبين، دل عليه أكثر من معطى أميركي، أعقب الاعتداءات. من جهة واشنطن، من شأن الضربات الإسرائيلية، التي لن تتحول بحسب تقديراتها إلى مواجهة بين الجانبين، تعزيز فرص الاستراتيجية المتبعة من قبلها، لدفع الرئيس السوري إلى التنحي، وبإمكانها كذلك أن تفهم الأسد، أن لدى الولايات المتحدة أوراقاً أخرى متاحة وممكنة، لم تفعلها حتى الآن، في مقابل النجاحات الميدانية التي حققها أخيراً.
ثالثاً: خشية إسرائيلية من حسابات غير متوقعة للأسد؛ إذ يرى صناع القرار في تل أبيب أن الأسد قد يفهم «بصورة خاطئة» أن الاعتداءات مؤشر على تغيير في الاستراتيجيا الأميركية ضده، تمهيداً لتدخل عسكري وإسقاطه بالقوة، أي إن نظامه بات مستهدفاً. وبالتالي اندفاعه للرد بقوة، يفضي بالضرورة إلى مواجهة شاملة ومدمرة، لا تريدها تل أبيب أو واشنطن. وهذه الخشية فسرتها محاولة إسرائيل احتواء مفاعيل الاعتداءات، والبعث برسائل ميدانية وسياسية، تؤكد فيها أنها لن تتدخل في مجريات الصراع الميداني في سوريا، وأن كل ما تريده هو منع تزويد حزب الله بالسلاح، عبر سوريا.
رابعاً: ردّ سوريا وحلفائها، غير المتوقع، غيّر وجهة التقديرات وسياقاتها؛ إذ أعلنت القيادة السورية عزوفها عن الرد الموضعي، وتبنيها خياراً أكثر خطورة من جهة تل أبيب، بفتح جبهة الجولان أمام المقاومة، وتمكين حزب الله من كل السلاح الموجود في سوريا. وما أعطى هذا الخيار بعداً أكثر خطورة، إعلان الأمين العام لحزب الله، السيد حسن نصر الله، ملاقاة التوجه السوري، وتبنيه واستعداده لمؤازرته.
ومن ناحية عملية، جارى ردّ سوريا وحلفائها، الذي يبدو مدروساً جيداً، الفصل الذي أعلنته تل أبيب، بين ساحتين افتراضيتين متلاصقتين: ساحة تسليح المقاومة انطلاقاً من سوريا، وساحة القتال والحرب الدائرة فيها. وفتح جبهة الجولان، ومواصلة تسليح المقاومة، جاءا للرد على الاعتداءات الإسرائيلية، حتى الآن، أما الرد المباشر الذي سيكون قاسياً جداً، فسيكون نتيجة وفي أعقاب أي تدخل عسكري مباشر في الميدان القتالي.
من هنا، يأتي الصراخ الإسرائيلي الأخير، مغلفاً بتهديدات بإسقاط النظام في سوريا، بل ومن قبل نتنياهو نفسه، الأمر الذي يشير إلى مستوى مرتفع من القلق الإسرائيلي، إزاء الخيارات المتاحة وتداعياتها. هذه الخيارات تُراوح بين الانكفاء والإقرار بأن محاولة فرض معادلة منع التسليح على سوريا وحلفائها قد باءت بالفشل، رغم ما فيها من مخاطر وأضرار استراتيجية، وبين مواصلة العمل على فرض المعادلة، رغم ما فيها أيضاً، من مخاطر وأضرار استراتيجية.
وفي السياق، تتضح الخشية الأميركية من حسابات خاطئة قد تقدم عليها إسرائيل، ومن شأنها أن تجرّ المنطقة إلى تصعيد لا يخدم مصالحها؛ لأن إصرار تل أبيب على فرض المعادلة، وإصرار أعدائها على كسرها، قد يوجبان على صاحب القرار الإسرائيلي، تكرار العدوان على سوريا، وهي فرضية منطقية من الناحية الإسرائيلية، رغم ما فيها مخاطر، قياساً بمخاطر الانكسار والفشل.
وقد جرى التعبير عن الخشية الأميركية، بإسراع مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (السي آي إي)، جون برينان، بالتوجه إلى إسرائيل، في زيارة وصفت بالخاطفة وغير المقررة مسبقاً، وهدفها منع إسرائيل من العمل في سوريا، دون تنسيق مسبق مع الولايات المتحدة، وهو تعبير عن عدم رضى أميركي عن مواصلة العمليات «العلنية» في سوريا.
وقد طرح وصول برينان، بنحو مفاجئ، إلى إسرائيل حيث التقى بقادة الدولة السياسيين والأمنيين والعسكريين، طرح مجموعة من التساؤلات عن خلفية توقيت هذه الزيارة وأهدافها. وأكدت صحيفة «يديعوت أحرونوت» «المخاوف الأميركية من التصعيد في المنطقة بعد تهديدات الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، بالعمل ضد إسرائيل في هضبة الجولان»، أضف إلى وجود إحساس أميركي بأن إسرائيل «خائبة الأمل من عجز إدارة أوباما في الساحة السورية». وأضافت أن إرسال بيرنن إلى إسرائيل «هدف إلى التنسيق بين الدولتين ومنع إسرائيل من العمل وحدها في سوريا، لكنه سمع من مضيفيه أن إسرائيل لا يمكنها أن تبقى مكتوفة الأيدي إذا ما استمر تدفق الأسلحة المتطورة من سوريا إلى حزب الله».
أما صحيفة «إسرائيل اليوم»، فأشارت إلى إعلان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، عدم تراجع بلاده عن العقد الموقع مع سوريا لتزويدها منظومات أس أس 300. ونقلت الصحيفة عن مصدر سياسي رفيع المستوى قوله «إن صفقة الصواريخ هذه وُقِّعت عام 2010، وأُجِّلت منذ ذلك الحين عدة مرات، رغم تصريحات مشابهة أطلقها مسؤولون روس بشأن تنفيذها». ولفتت إلى أن تل أبيب «نقلت رسالة مفادها أن إدخال سلاح إلى سوريا يقوض الاستقرار في المنطقة، وأن هناك خطراً من انتقالها إلى حزب الله».
في السياق نفسه، نقلت صحيفة «هآرتس» عن مسؤولين أميركيين، تأكيدهم أن روسيا زودت سوريا بصواريخ «ياخونت» البحرية، التي تشمل أنظمة توجيه أكثر تطوراً من تلك التي زُوِّدت سوريا بها في مرحلة سابقة. ولفتت «هآرتس» إلى أن امتلاك سوريا لهذه الصواريخ يتيح لها مواجهة أي محاولة دولية محتملة لفرض حصار بحري، ويردع كذلك القوات الأجنبية عن محاولة تزويد العتاد للمعارضة من طريق البحر.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى