هكذا تحكم دمشق من … أورشليم

نبيه البرجي- الديار

عادة يوصف دنيس روس بأنه اقل قدرة على المراوغة من هنري كيسنجر لكنه اكثر قدرة على قراءة التفاصيل بفظاظة وصولاً الى قراءة الغيب بفظاظة، ودائما من خلال النص التوراتي الذي طالما افتتن به، حتى ان مارتن انديك يقول «اذا كنت انا عاشقاً استراتيجيا لاسرائيل فإن روس عاشق ايديولوجي ايضاً».

وتقول لنا شخصية خليجية بارزة ولها اهتمامات قديمة بالشأن العربي العام» اذا اردت ان تعرف كيف تفكر اميركا وكيف تفكر اسرائيل فما عليك الا ان تأخذ ولو نصف ساعة من دنيس روس الذي لا يتورع، في نهاية اللقاء، عن دعوتك الى فنجان قهوة في… اورشليم».

ثمة هاجس لدى الديبلوماسي الاميركي المخضرم يدعى اورشليم التي لو اعطيت الفرصة لادارة الشرق الاوسط لكانت اكثر حنكة واكثر رؤيوية من واشنطن او لندن او اسطنبول او طهران.

الشخصية إياها التقت في الآونة الاخيرة روس، وبعدما كان قد نشر مقالته في « الفورين افيرز» حول سوريا في 18 نيسان الفائت، ليقول« لقد استذكرت، وهو يتحدث بكل تلك العنجهية، وبكل تلك الضغينة، عن سوريا ذلك الحاخام النيويوركي الذي قال ان لعنة يهوه ستلاحق دمشق الى الابد».

وبمعنى آخر، فإن دمشق ينبغي ان تحكم من اورشليم. هذا الذي يمكن ان يتحقق، ولكن شرط الا تبقى الولايات المتحدة مكتوفة الايدي، فالفسيفساء السورية اكثر تعقيداً بكثير من ان يتحكم بها الاتراك الذين لديهم الكثير من الطموحات التي لا بد ان تثير الشبهات، وعندما تتحول سوريا الكبرى الى حطام، يفترض ألا تقوم تركيا الكبرى. لا مكان هنا الا لاسرائيل الكبرى.

دون تردد، يدعو روس الرئيس باراك اوباما الى وضع اليد على سوريا. الخطوة الاولى بالحظر الجوي من خلال منظومات الباتريوت. الخطوة الثانية باللجؤ الى القاذفات التي ينبغي ان تزيل كل اثر للنظام، فعندما يكون هناك موطىء قدم للروس، او للايرانيين، في سوريا، لا بد ان تكون المصالح الاميركية قيد المساومة.

روس لا يعتقد ان موسكو وطهران يمكن ان تجازفا بالمواجهة، وهو يتفادى توجيه اهانة مباشرة الى اوباما. الاهانة غير مباشرة، ففي نظره انها المرة الاولى التي يستشار فيها الكرملين، وبتلك الدماثة المنقطعة النظير، في مسائل حيوية تتعلق بمستقبل بعض الدول في الشرق الاوسط. هو لا يزال يردد عبارة للرئيس رونالد ريغان حول ضرورة اخراج الدببة من الحلبة ولو اقتضى الامر قطع ارجلها.

يعتبر ان السياسات الروسية والايرانية تقوم، فلسفياً، على التهويل، وهو يتهم الرئيس فلاديمير بوتين بأنه يحاول ان يجر الصين وراءه. يعتبر انها صورة مضحكة ان يجر الدب التنين. من هنا كان رأي روس ان اناطة اي دور لموسكو في سوريا سيكون بمثابة خطيئة استراتيجية بعيدة المدى، مستدركاً بأن الروس لا يلعبون بأوراق القوة التي يظنون انهم يمتلكونها وانما بأوراق الضعف الاميركية.

وفي رأيه، فإن المؤسسات الامنية والعسكرية في واشنطن تدرك ان انابيب الغاز الروسية هي بمثابة الشرايين داخل اي انسان. هذه هي نقاط الضعف التي على الادارة ان تتعامل معها بمنتهى الحزم، دون ان يبالي برأي زبغينو بريجنسكي الذي ينصح بألا «نثير جنون القياصرة» لان الرئيس بوتين الخارج من ثقافة الـ«ك.ج.ب.» لم يركز اهتمامه على تطوير الترسانة الاستراتيجية لبلاده، وعلى تفعيل امكاناتها الاقتصادية، وانما اعطى الكثير من الوقت والجهد والمال لانشاء مؤسسات استخباراتية ضاربة.

وعلى طريقة الكاوبوي، يعتبر روس ان احدى ديناميات القوة في السياسة الاميركية ان واشنطن اوحت دائما لاعدائها، وحتى لاصدقائها، بأن اليد دائما على الزناد. الآن تراخت اليد كثيرا، وباتت سياسات الآخرين تبنى على اساس ان آخر شيء تفكر فيه الادارة هو اللجؤ الى القوة، وعلى اساس «لندع اعداءنا يحطمون بعضهم البعض». روس لا يخفي اغتباطه من كون صدفة معينة، او خطة معينة، جعلت «حزب الله» في مواجهة مباشرة مع «جبهة النصرة»، مستنتجاً بأنه لن يكون هناك من مكان لا لحسن نصر الله ولا لايمن الظواهري فوق الارض السورية.

يحاول ان يوحي بأن ادارة بنيامين نتنياهو اكثر وعياً من ادارة باراك اوباما في التصدي لمسار التطورات في سوريا. وبحسب ما تنقل الشخصية الخليجية عن الديبلوماسي الاميركي الذي يعتبر احد كبار منظري اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة، فإن اسرائيل وضعت، بالفعل، خططاً لشن الحرب، وعندما تنضج الظروف لذلك، ودون ان تذهب بعيداً في مجاراة الانتظار او التريث او الضياع الاميركي.

لكنه واثق من ان ادارة اوباما لا بد ان تتقاطع في لحظة ما مع ادارة نتنياهو. هذا ليس بالامر البعيد ابداً، فالتواصل بين واشنطن وتل ابيب، على المستوى العسكري كما على المستوى الديبلوماسي، تكثف في الآونة الاخيرة على نحو لافت جداً، وبالصورة التي توحي ان ثمة شيئا ما يجري الاعداد له في الوقت الحاضر.

يعرف الديبلوماسيون العرب ان روس لم يحقق حلمه في ان يصبح وزيراً للخارجية لان الكثيرين في البنتاغون لا يستيسغون طريقة تفكيره او طريقة رؤيته (او ادارته) للامور. يعرفون ايضا انه يعرف اكثر مما يعرف الآخرون.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى