هروبٌ طارئ

عائلة في البيت، تُجَهِّز أمورها، هذا يختار اللباس المناسب، وذاك يتأمل في أنواع العطور المتوفرة لديه، والآخر يدقق في كيفية اختيار الألوان المناسبة ليقوم بتسوية “هِندامَه” بكيفية أبعد من الظهور بوضعية جميلة ليصل حَدُّها جذب الناظر إليه ودفعه للإعجاب بما تراه عيناه من أناقة ونحوها. اكتملت “الحملة الترتيبية” وأصبح الجميع في حالة جهوزية للانطلاق نحو الزيارة المبتغاة ومقصدها بعض الأقارب الرَّحِمِيِّين أو الأصدقاء المقربين أو غيرهم من المعارف والأحباب… إذاً إنه “ذهاب طبيعي”.

استيقظ الأبناء في الصباح الباكر، ولعل والدتهم أفاقت معهم أو هي التي أيقظت كُلاًّ منهم من نومه. ما الخبر؟ لا جديد يُذكَر، بل إنه يوم روتيني آخر كنظرائه من باقي الأيام المدرسية التقليدية، حيث الانتباه من السبات النَّومي فالتحضر التجهيزي وصولاً إلى الذهاب نحو المدرسة أو ماشابه… إذاً إنه “ذهاب طبيعي”.

اتصل بمكتب للسفريات، عزم النية على شد الرحال إلى بقعة ما من بقاع هذه المعمورة الواسعة، زيارة للمشاهد المقدسة والأماكن المُشرَّفة ـ رزقنا الله وإياكم زيارتها ـ أو توجه إلى معلم سياحي أو جولة استكشافية لمكان هنا أو آخر هناك، أو ربما سَعْياً لطلب وضع معيشي أوفر، أو ربما أيضاً لتحصيل علمي، أو غيرها من الأسباب والمسوغات التي قد تدفع بأحدنا إلى الإقلاع مبتعداً في أرض الله الواسعة. حجز البطاقة، جهَّز حقائبه ورتَّب متاعه وتوجه إلى المطار… إذاً إنه “ذهاب طبيعي”.

في المقابل، تائهٌ في الغابة وضائعٌ بين الأحراش، كان في جولة اصطياد أو غيرها من سبل الترفيه وغيره، لعله أضاع سبيل العودة أو أنه لا زال يدركه إلا أنه مستمر في مسيره ولا ينوي إنهاء جولته في الحال، وإذ به يسمع صوتاً غريباً بدأ بمستوى منخفض بالكاد تتلقفه الأذنان، إلا أن وتيرته في ازدياد تصاعدي وقوته إلى ارتفاع إلى درجة أن دوّامة من القلق قد تشكلت وتعشعشت في باطنه وملأت جوارحه وانكبت في جوانحه. ما الخبر؟ صوت حيوان ـ لعله مفترس ـ أو أصوات بهائم لا تُبَشِّر بالخير مطلقاً. الشر يكمن في زاوية ما، خلف الشجرة أو جانب الصخرة. ما العمل؟ استنفار سريع والشروع الفوري بالهروب إلى مكان افتراضي كذائي والالتجاء إليه كي يقيه من هذا الوضع الغريب والحدث المفاجئ. إذاً، طبعاً ليس الأمرُ ذهاباً طبيعياً… بل إنه “هروب طارئ”.

حرارة الطفل مرتفعة، أو الوضع الصحي للأب المتقدم في السّنّ تعيس، أو لعل الأم ـ أو الجد وكذلك الجدة ـ تعاني من ألم حادّ يصعب تحمله أو التفاعل معه بأحد الأساليب المنزلية المتوفرة (حفظكم الله وجميع المؤمنين والمؤمنات من كل سوء ومكروه). وعليه، استنفار مباغت وحال أربك الجميع دافعاً إياهم لاتخاذ التدبير العاجل بنقل المريض إلى الجهة الطبية المعنية لعل الله يجري على يَدَيْها ما فيه شفاء للمُنْتَكِس وطمأنينة للمُربكين من حوله. اجلبوا مفاتيح السيارة، جهَّزوها… وهيا بنا سريعاً… إنه “ذهاب طارئ”.

وبالتالي، بعد هذا الاستعراض لبعض الأمثلة الحياتية، يَتَبَيَّن أن أحدنا قد يتوجه إلى شيء ما ـ أو مقصد ما ـ بطريقة طبيعية وعادية يعتريها الهدوء والسكينة.

وفي ضفة مقابلة، قد يمضي أحدنا إلى مبتغاه بطريقة عاجلة حيث الوضع الطارئ يرخي بظلاله ليضفي شيئاً من الارتباك والسرعة فَيُحَوِّلان المرء إلى كيان هائج يتلهف للوصول إلى مراده.

ورد في المناجاة الشعبانية المباركة والمهمة “فَقَدْ هَرَبْتُ إلَيْكَ، ووَقَفْتُ بَيْنَ يَدَيْكَ مُسْتَكيناً لَكَ مُتَضَرِّعاً إلَيْكَ، راجِياً لِمَا لَدَيْكَ ثوابي”.

وعليه، كلمة “هَرَبْتُ”، قد تدفعنا إلى التأمل الذي قد يوصلنا إلى سياق شبيه بالضفة الأخيرة المشار إليها آنفاً، حيث حركة “الهروب” توحي إلى وجود عامل طارئ يدفع بأحدنا للقيام بهذا الفعل.

وفي سياق العلاقة مع جبار السماوات والأرض، ميدانان أساسيّان قد يحويان أفراداً ينتهي بهم المطاف إلى وضعية الهروب إلى الخالق (جلَّ وعلا):

يتجسد الأول في أوساط العاصين البعيدين عن خالقهم (أجارنا الله وإياكم)، حيث أعضاء هذا المحيط غارقون في ارتكاب المحرمات والتوغل في المعاصي، الأمر الذي يدفع بهم في نهايات المآسي نحو الهروب إلى الله تعالى.

أما الآخر، فيبرز في فلك الغافلين، حيث لا وجود لارتكاب المحظورات الشرعية، إلا أن سيرهم التكاملي نحو الله يسير بوتيرة سلحفاتية، والأعمال المباحة الغير مفيدة ـ والتي تخلو من العنصر التقربي إلى الباري ـ تأخذ حَيِّزاً لا بأس به في معتركات الحياة اليومية لكل فرد من أفراد هذا الميدان، ليصل بهم الحال نحو الهروب إلى الله تعالى (جلَّ اسمه).

كما في الأمثلة الحياتية التقليدية هناك ممهدات كذائية تدفع بأحدنا إلى الذهاب بنحو طارئ إلى جهة ما، أيضاً في العلاقة مع الباري تعالى توجد حالات تدفع الواحد منا إلى اللجوء الطارئ إلى مَن بيده مقاليد السماوات والأرض وأمور العباد جميعاً، حيث تتجسد هذه الحالات في المعاصي والمحرمات في الميدان الأول.

بينما في نظيره الثاني تأخذ هذه الحالات بُعْداً في سياق آخر والمتمثل في الغفلة عن الله تعالى والابتعاد عن الأمور التقربية والمعاني التكاملية التي يحتاجها الإنسان في طريق سيره إلى خالقه (جلَّ وعلا).

إلى الغارقين في الميدان الأول، وإلى العالقين في الميدان الثاني: أسرعوا بالخروج والتحقوا سريعاً بركب الهاربين إلى الله (عز وجل)، واهربوا للنجاة ـ أو كوقاية استباقية ـ إلى الله (تبارك اسمه) وحافظوا على ارتباطكم به (جلَّ وعلا).

{ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ۖ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } (سورة الذاريات ـ الآية ٥٠).

[ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ].

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى