ميشال عون وعباس إبراهيم والحرب الاستباقية

ناصر قنديل | عندما تحدّث رئيس الجمهورية ميشال عون عن خوض الحرب الاستباقية على الحرب، ظنّ الكثيرون إنه يقول ذلك بهدف الالتفاف على إعلان الدعم المباشر لقتال حزب الله بوجه الإرهاب في سورية، بينما كان كلام الرئيس جدّياً ومنهجياً وصادقاً إلى أعلى الدرجات. ويقصد من ضمن ما قال بالتأكيد ما قام به حزب الله في سورية، ولكنه لا ينحصر به. فالحرب الاستباقية على الإرهاب تعني تجفيف المنابع ومحاصرة المستنقعات التي يمكن للتجمّعات الإرهابية التغذّي منها والحياة في قلبها.

في لبنان خطوط تماس نفسية وديمغرافية يتنفّس الإرهابيون ضمنها ويتحسّسونها، ويعرفون رغم جاهليتهم تقنيات دغدتها واللعب على أوتارها. وتشكّل أول هذه الخطوط العلاقة بين المسيحيين والمسلمين، وكانت أخطر التعبيرات مع غزوة الأشرفية التي خاضتها ذات الجماعات التي تخوض حرب مخيم عين الحلوة والتي خاضت قبلها حرب أحمد الأسير وذهب الكثير من روادها للقتال تحت لواء تنظيم القاعدة في سورية والعراق، وليس ما يجري على يد هذه الجماعات نفسها في مصر وسواها بحق المسيحيين إلا عزفاً على الوتر ذاته، واستباقاً لهذه الجماعات كانت الوثيقة التاريخية للعماد ميشال عون مع السيد حسن نصرالله.

وفي اليوم الذي أعقب ما عُرف بغزوة الأشرفية في 5 شباط 2006، وفي قلب الحرب الاستباقية كانت تفاهمات الرئيس ميشال عون والرئيس سعد الحريري على إدارة وتنظيم الخلافات وتبادل التعاون لمنع نمو أي احتقان طائفي يمنح الإرهاب فرص النمو والتجذر.

تشكّل العلاقة بين السنة والشيعة الخط الرئيس الذي تعتاش عليه هذه الجماعات التي تحاول تقديم نفسها كجيش للسنة، في مواجهة ما تسمّيه بالخطر الشيعي، ويساعدها ضخ إعلامي سياسي خليجي لا يهدأ في النفخ بهذه البوق، رغم ادعاء القيّمين عليه عداءهم للفتنة ومحاربتهم للإرهاب. والأمر لا يتوقف عند حدود التلاقي الصدفي، فللحرب مع حزب الله موازنات مرصودة لدى دول الخليج وأغلب مالها يذهب لهذه الجماعات. ولم يكن بعيداً عن هذا التوجه السعي لإنشاء مجموعات ضمن تيار المستقبل مستعدّة للذهاب في العداء لحزب الله أبعد من حدود ما يذهب إليه الرئيس سعد الحريري، ولذلك كانت الحرب الاستباقية التي لا تلقى دائماً ترحيب جمهور حزب الله وحركة أمل، الانفتاح على الرئيس الحريري وتفهّم وضعه ومواجهته للتطرف داخل طائفته، وللبؤر التي توفر غطاءها للتكفيرين والمنتمية لفكر القاعدة وتنظيمها. والحكومة الحالية بكل ما تعانيه من نقاط ضعف واحدة من عناوين الحرب الاستباقية، ونجاحها خصوصاً في استحقاق وضع قانون جديد للانتخابات وإجراء الانتخابات أحد الانتصارات في هذه الحرب.

تبقى العلاقة اللبنانية الفلسطينية الحديقة الخلفية التي يسهل اللعب عليها في لبنان، فبداعي القلق من توطين الفلسطينيين تتحوّل مخيمات اللاجئين إلى جحيم لا يُطاق وسجن كبير، وتضيق الدنيا بوجه المقيمين فيه الذين يشكّلون خميرة تمسّكهم وتمسّك اللبنانيين بحق العودة، وتتداخل المواقف العنصرية تجاه الفلسطينيين بالمواقف الوطنية الرافضة للتوطين. والعنوان اللبناني الحساس هنا مسيحي وشيعي. وقد شكل موقف كل من الرئيس العماد عون والرئيس نبيه بري تجاه ربط رفض التوطين بالتمسّك بحق العودة من جهة، والانفتاح على القوى الوطنية الفلسطينية من جهة أخرى، العنوان الأهم في الحرب الاستباقية التي تمنع استيلاد نموذج مشابه لمحنة نهر البارد في مخيم عين الحلوة، وقد شكّلت استضافة الرئيس بري للحوار الفلسطيني الفلسطيني وكلمة الرئيس عون الفلسطينية في القمة العربية خير تعبير عن هذا الوعي التاريخي.

وعلى خط التواصل والتنسيق مع الرئيسين عون وبري وحزب الله فكرياً وسياسياً وأمنياً شكّل اللواء عباس إبراهيم الرجل المناسب لخوض هذه الحرب، فتنبّه مسبقاً لأهمية الاستثمار على العلاقة اللبنانية الفلسطينية، والتهيؤ لاستحقاقات تشبه ما نعيشه اليوم من محاولات لتفجير المخيم بوجه الجوار وجرّ سكانه وجيرانهم نحو حرب مخيمات جديدة، فكانت الجهوزية لتعاون فلسطيني لبناني أجهض الخطة، وأخذ المخيم بقواه الوطنية وفي مقدّمتهم حركة فتح على عاتقهم تنظيف المخيم من بؤر الإرهاب، فكانت ذروة النجاح في الحرب الاستباقية.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى