موازين معقّدة تسيطر على مستقبل العلاقات بين موسكو والناتو

موسكو و حلف شمال الأطلسي

شهدت الفترة الماضية زيادة في مستوى التوتر والمنافسة العسكرية بين روسيا وحلف الناتو، وحول هذا السياق، أفادت العديد من المصادر الإخبارية بأن نائب وزير الخارجية الروسي أعلن خلال الأيام القليلة الماضية عن وقف تام للتعاون العسكري والمدني بين موسكو وحلف الناتو وهذا الأمر يكشف مدى عمق الخلافات بين هذين الجانبين والتي أرخت بظلالها على علاقات الدب الروسي بالغرب.

ولفتت تلك المصادر إلى أن نائب وزير الخارجية الروسي “الكسندر جروسكو” أعلن يوم الاثنين الماضي، بأن حلف الناتو قطع علاقاته الثنائية مع روسيا وأن العلاقات بين الجانبين قد توقفت تماماً وليس هناك ما يشير إلى أن هذا النهج سوف يتغيّر في المستقبل القريب الأمر الذي يطرح السؤال نفسه، كيف كان تأثير الأحداث التاريخية ومجالات التعاون بين روسيا وحلف الناتو في الماضي على هذه العلاقات وكيف ستكون في المستقبل؟

علاقات ومجالات التعاون بين روسيا وحلف الناتو

لقد بدأت العلاقات الودية بين موسكو وحلف الناتو عام 0199، عندما تم افتتاح مجلس تعاون لحلف شمال الأطلسي بمشاركة 25 دولة منها 16 دولة من أعضاء الحلف، بالإضافة لدول أخرى بينها روسيا، وهذا المجلس كان بمثابة منتدى للحوار والتعاون بين الحلف وبين الدول الأعضاء، وهو الأمر الذي اقترحه الحلف كعلاقة تعاونية جديدة مع جميع الدول في أوروبا الشرقية والوسطى بعد انتهاء الحرب الباردة، وشهد الاجتماع الافتتاحي لهذا المجلس حدثاً تاريخياً عندما أعلن سفير الاتحاد السوفيتي أن الاتحاد السوفيتي قد تم حلّه، وأنه موجود هنا الآن ليمثل روسيا الاتحادية.

لقد انضمت روسيا لبرنامج الشراكة من أجل السلام الذي أنشأه حلف شمال الأطلسي بهدف خلق الثقة بين الحلف، وبين دول أوروبا والاتحاد السوفيتي السابق وذلك عام 1994، وقد وصفت هذه الخطوة بأنها خطوة عميقة باتجاه السلام بين الطرفين.

وفي عام 1996، قامت روسيا بالبدء في نشر قوات لها لدعم قوات حفظ السلام التابعة للناتو في البوسنة أعقاب الحرب البوسنية وبعد ذلك وقّعت روسيا رسمياً على اتفاقية قوات حفظ السلام في البوسنة لتصبح عضواً أساسياً بها.

وفي يوم 21 مارس1996، وقّعت روسيا على مذكرة تفاهم بشأن التعاون في حالات الطوارئ المدنية بين حلف شمال الأطلسي وروسيا في العاصمة موسكو.

وفي يوم 27 مايو 1997، وخلال قمة حلف شمال الأطلسي التي استضافتها العاصمة الفرنسية باريس، وقّعت روسيا والناتو القانون التأسيسي للعلاقات المتبادلة والأمن والتعاون المشترك وهذه الاتفاقية كانت بمثابة خارطة الطريق للتعاون بين الطرفين في المستقبل ولقد استمرت العلاقات الجيدة بين الجانبين مع بدايات الألفية الجديدة، حيث تم إنشاء مجلس “الناتو – روسيا” في يوم 28 مايو 2002 خلال قمة حلف شمال الأطلسي في العاصمة الإيطالية روما، وهذا المجلس كان مثل أداة دبلوماسية رسمية للتعامل مع القضايا الأمنية والمشاريع المشتركة بين الناتو وروسيا.

في صيف عام 2008، توترت العلاقات بين الجانبين بسبب الحرب بين روسيا، وجورجيا، فقد أدان حلف شمال الأطلسي قيام روسيا بالاعتراف بأوستيا الجنوبية وأبخازيا كدولتين مستقلتين عن جورجيا، وفي ذلك الوقت قال الأمين العام للحلف إن هذا الاعتراف قد انتهك العديد من قرارات مجلس الأمن الدولي بما فيها القرارات التي أقرّتها روسيا وتوترت العلاقات أكثر في مايو 2009، عندما طرد حلف شمال الأطلسي اثنين من الدبلوماسيين الروس بسبب اتهامات بالتجسس وارتفعت حدّة التوترات أكثر مع إعلان حلف شمال الأطلسي نيّته إجراء مناورات عسكرية في جورجيا.

احتدام الخلافات بين موسكو وحلف الناتو

أعلنت روسيا أن نشر منظومة صواريخ دفاعية أمريكية محتملة في بولندا والتشيك يمثل خطراً مباشراً عليها ويهدد دفاعاتها وهذا الأمر هو ما فسره قائد القوات الجوية الروسية عام 2007 من أن مسارات الصواريخ الكورية الشمالية تكاد تمرّ بالكاد بالقرب من التشيك، لكن أي صواريخ تطلقها روسيا من جانبها الأوروبي أو من قبل أسطولها الشمالي ستتعرض لتهديد من قبل منظومات الصواريخ الدفاعية الأمريكية.

ونتيجة لتهديد روسيا باتخاذ ردود فعل عسكرية ضد أمريكا، قام الرئيس الأمريكي “باراك أوباما” عام 2009 بإلغاء مشروع منظومات الصواريخ في بولندا والتشيك.

يذكر أن روسيا كانت قد هددت بولندا من أن موافقتها على نشر منظومة الصواريخ الدفاعية التابعة للناتو يعني أن تتجهز لتلقي ضربة نووية منها، لكن مع هذا فقد أعلنت رومانيا أنها توصلت لاتفاقية مع الجانب الأمريكي لنشر منظومة الصواريخ الدفاعية خلال عام 2015، وهو ما اعتبرته روسيا تهديداً مباشراً لأمنها القومي.

يذكر أن حلف شمال الأطلسي يملك منظومات صواريخ دفاعية منتشرة في عدة دول خصوصاً في الدول المحيطة بالبحر المتوسط، ويأتي هذا ضمن خطة موسّعة من أربع مراحل لم يتم تنفيذ سوى المرحلة الأولى منها.

علاقات موسكو المستقبلية مع حلف الناتو

تمثلت المجالات التي ساعدت روسيا على التعاون مع حلف الناتو سابقاً في قضايا كالتعاون في أفغانستان والتعاون في مجال مكافحة الإرهاب ومكافحة انتشار أسلحة الدمار الشامل وإدارة الأزمات في أوروبا الشرقية وفي عهد الرئيس الأمريكي السابق “أوباما”، ازدهرت علاقات موسكو مع الناتو ووصلت إلى مستوى عالٍ خاصةً بعدما تم التوقيع على معاهدة الصواريخ “ستارت” بين روسيا وأمريكا، وانضمام روسيا إلى منظمة التجارة العالمية ولكن في وقتنا الحالي ترى روسيا بأن تصرفات الناتو كالإنفاق العسكري المتزايد، والقيام بمناورات عسكرية في البحر الأسود والتوسع باتجاه حدودها، يهدف إلى الحد من نفوذ موسكو، وهذه العوامل أدّت إلى برود العلاقات بين الناتو وموسكو.

المصدر | موقع الوقت

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى