من أي رحم ولد المشروع النووي الايراني؟ (الجزء الثاني)

عاصم الجابري
هولندا، 17-08-2015

إستمر الخناق على إيران، وحين ظهر لاول مرة مشروعها النووي السلمي، في منتصف العقد الماضي، أتخذ الغرب بقيادة أمريكا إجراءات صارمة وغير أخلاقية لثنيها عن المضي في مشروعها، استخدموا العقوبات التجارية والاقتصادية والمالية، بمساعدة مجلس الأمن في ذلك لاضفاء الشرعية عليها، لكن إيران تحدتهم وأستمرت في مشروعها، وأمتصت تأثير هذه العقوبات وحولتها الى طاقة محفزة للشعب الايراني على الصمود والتحدي، لانها ظالمة وغير منطقية، وكما ذكرت مسبقاً أن الايرانيين عنيدين جداً في الدفاع عن حقوقهم عندما تتعرض للاعتداء!.

في الواقع إن الغرب لم يستوعب طبيعة وعقلية الايرانيين، وممكن الغطرسة التي يعاني منها الساسة الغربيين وخاصة الامريكان منهم جعلتهم لا يستوعبوا ذلك، الايرانيون بطبعهم متقشفون، حتى في حالة الرفاه، وأنهم شعب يدخر أكثر مما يصرف، وحساباته تستند على المستقبل البعيد في المسائل الاقتصادية، نادراً ما تجد ايراني ليس عنده حساب توفير، وإن معظم الاسر تفتح حساب توفير لابنائهم منذ ولادتهم! كما أن هذا الشعب ينتج أكثر مما يصرف، وهنالك الكثير من الاسر يزاولون مختلف الحرف في بيوتهم، وخاصة صناعة مواد السجاد وحياكتها، والذي أدهشني وحيرني، أن هذا الشعب ينتج قليل جداً من الازبال، لانهم يجمعون الورق لوحده، وعلب الالمنيوم لوحدها، والزجاج لوحده وووالخ، ثم يأتون أشخاص اليهم لشراء كل ما جمعوا من الازبال، تصور حتى فضلات الخبز اليابس تباع عندهم!

أما زبالة الشارع، يرموها في الجوب (الجوب هو ساقية ماء بعرض حوالي 80 سم تجمع مياه الامطار، وكذلك الازبال) وهنالك محطات على شبكة الجوب تفرز الزبالة والاستفادة منها، وللعلم لم أشاهد نظام الجوب في دول أخرى من العالم! هؤلاء يعطون دروس لليهود في مجال الاقتصاد، لذلك تمكنوا من الافلات من العقوبات الاقتصادية.

وعندما أدركوا أن تأثير العقوبات والحصار بكل أنواعه محدود وغير حاسم، بادروا بالشروع في عمليات الاغتيال لعلماء الذرة الايرانيين، وأستعملوا أفراد المنظمة الارهابية “مجاهدين خلق” للقيام بعمليات الاغتيال، بعد أن دربوا ومولوا من قبل المخابرات الاسرائيلية والامريكية، سجل الغرب حافل بهكذا إجرام، وهذا ما فعلوه مع العلماء الالمان بعد الحرب العالمية الثانية، الذي استسلم للتجنيد في خدمتهم نجا، أما الباقون صفوهم بجرائم الاغتيال، كذلك تعرض العلماء العراقيين لنفس مصير أقرانهم الالمان، بل الاتعس سمحوا للموساد الصهيوني بالقيام بهذه الاعمال الاجرامية، الغرب وربيبتهم “اسرائيل” لا يتورعون عن ارتكاب أي جريمة من أجل أجنداتهم، انهم بعقلية ميكافيلية، كل الوسائل عندهم مشروعة من أجل أجنداتهم!

• في 12 يناير عام 2010 تم إغتيال البروفسور مسعود علي محمدي.
• وفي 27 نوفمبر عام 2010 تم إغتيال د. مجيد شهرياري، ونجا العالم فريدون عباسي.
• و في 23 يوليو عام 2011 تم إغتيال د. داريوش رضائي.
• وفي 11 يناير عام 2012 تم إغتيال العالم مصطفى أحمدي روشن.

وجهت الاتهامات الى أمريكا والكيان الغاصب إسرائيل، وفي مايو عام 2012 أعلنت إيران عن إكتشاف فيروس قام بسرقة المعلومات من شبكتها المعلوماتية، أيضا في آب من العام نفسه، أعلنت عن تخريب كوابل إمداد الكهرباء لمنشآت تخصيب اليورانيوم في نتناز وفردو، اتهمت في العام نفسه شركة “سيمنس” الألمانية بأنها باعتها قطعاً ومعدات أجهزة زرعت فيها مواد ناسفة، هذه المعلومات أكدتها الكثير من الصحف العالمية وكذلك اعترف بها الكثير من الصحفيين والكتاب الصهاينة.

أعداء الجمهورية الاسلامية لم يتركوا أي فرصة يمكن ان تطيح بالثورة الايرانية إلا وأنتهزوها، فبعد فوز الرئيس أحمدي نجاد بفترة رئاسية ثانية على المرشحين مير حسين موسوي، مهدي كروبي، ومحسن رضائي في يونيو عام 2009، رفض هؤلاء نتائج الانتخابات وطعنوا بصحتها، وعلى إثرها عمت الكثير من المدن الايرانية الاضطرابات، ساهم هؤلاء الاعداء مساهمة فعّالة في هذه الازمة من أجل اسقاط حكومة ولي الفقيه، وأخذوا يبعثون برسائل الى الشعب الايراني عبر هواتفهم المحمولة تحثهم على الثورة، إلا أن الحكومة الايرانية تمكنت بدهاء من حل هذه الازمة، بعد أن أعترف البرلمان الايراني بصحة الانتخابات بإعادة فرز قسم منها في المناطق المشكوك بها، وأندحر مكر الاعداء من جديد.

قاومت الجمهورية الاسلامية بحنكة كل الضغوطات التي كانت تتعرض لها وتمكنت من الحد من تأثيرها السلبي على وحدة شعبها، وعلى سمعتها أمام شعبها وأمام العالم، صمدت بسياسة الصدق والصبر أمام الماكنة الاعلامية العالمية، التي يسيطر على تسعين بالمئة منها عالمياً الغرب والصهاينة، كما أن في العالم العربي يسيطر على ثمانون بالمئة منها الاعلام الخليجي المتصهين، وهذا يعني أنها كانت وما تزال تتعرض لحرب نفسية وإعلامية رهيبة، لكنها تمكنت أن تكشف زيف أعدائها للعالم بالرغم من قدراتها الاعلامية المتواضعة، وهنا لا بد وأن أعطيك عزيزي القارئ مثلاً للتوضيح: تجد أن الاعلام العالمي المسيطر عليه من قبل هؤلاء الشياطين، يشتغل ليلاً نهاراً ولأشهر عديدة بكل طاقات مؤسساته وتقنياتها الحديثة، وجوقة كتابه ومحلليه من أجل خلق قناعة غير حقيقية عند الرأي العام العالمي عن إيران وحلفائها، كل هذا العمل تنسفه خطبة واحدة لمدة ساعة من لسان الولي الفقيه في إيران، أو من لسان الامين العام لحزب الله! وذلك لتمسكهم بنهج أهل البيت (ع) الذي أهم ركائزه الصدق، والعدل والانصاف حتى مع الاعداء.

عدالة الثورة الايرانية ومظلوميتها، وصدقية قادتها الذين آثروا نهج الامام علي (ع) وعلى رأسهم الزعيم الفذ الامام الخميني (رض) وثبات رجاله من بعده على المسيرة التي رسمها لهم، جعلت الكثير من شعوب العالم وخاصة المستضعفة منها، أن تتعاطف مع الثورة الايرانية، وخاصة “شيعة العراق” الذين يمثلون غالبية السكان فيه، هؤلاء ترجموا تعاطفهم بعدم القتال بجدية الى جانب الطاغية صدام في قادسيته المشؤومة، التي امتلك فيها كل مقومات نجاح حربه ضد الثورة الايرانية ما عدا ولاء الجندي العراقي، وهذا يُفسِّر إستسلام الجنود العراقيين المكرهين على القتال في جيش الطاغية الى الجيش الإيراني في أي فرصة كانت تتوفر لهم، فقط في معركة المحمرة وحدها استسلم أكثر من عشرين ألف جندي وضابط، ولولا هذا التعاطف لكانت الثورة الايرانية في خطر حقيقي، كما أن الكثير من هؤلاء الاسرى تطوع في فيلق بدر العراقي المعارض الذي كان يقاتل جنباً الى جنب مع حرس الثورة، وأعطى الكثير من الشهداء الذين امتزجت دمائهم مع أقرانهم الايرانيين دفاعاً عن الثورة.

ولا ننسى أن رجال هذه الثورة المباركة من أيامها الاولى اصطفوا مع كل حركات التحرر وكل مستضعفي العالم قولاً وعملاً، بغض النظر عن دينهم ومذهبهم وعرقهم، وقفوا مع الفصائل المقاومة في فلسطين، ومع البوسنيين في الدفاع عن وجودهم في حربهم مع الصرب المتوحشين، وقدموا لهم الاموال والانفس بكل سخاء، وأعظم إنجاز لهم هو مساهمتهم في تشكيل حزب الله في لبنان، دعموه بالمال والانفس والخبرة وهم لا يزالون في بداية بناء دولتهم، إمكانياتهم متواضعة، كما أن هذا الحزب كان منذ البداية شوكة في حلق الكيان الغاصب، وأستطاع أن يقض مضجع كبار قادته، وبالاخير إستطاع أن يحرر لبنان ويحقق نصراً لاول مرة في تاريخ الصراع مع هذا الكيان، كما أنه أستطاع كسر نظرية الجيش الصهيوني الذي لا يهزم في حرب تموز عام 2006، كل هذا تم ببركات هذه الثورة المباركة.

الذي يدمي القلب هو، أن جل الانظمة العربية لم تنتهز هذه الفرصة التي لن تتكرر، تاتي مرة واحدة في التاريخ، فرصة الثورة الايرانية وقادتها النجباء، والاستفادة منها، ما عدا داهية العرب الراحل حافظ الاسد، هذا الرجل هو الوحيد الذي وقف الى جانبها، وأقام علاقات إستراتيجية معها، انعكست بالفائدة على كلا الجانبين، ومثل ما يقول الصحفي المخضرم “سامي كليب” لولا سورية لما احتاج الغرب الى عقد الاتفاقية النووية مع ايران.

الغرب كان يراقب تحالف إيران وسوريا وحزب الله، وكان يتوعدهم بالويل والثبور، مثل ما فعل في أفغانستان والعراق، هذا التحالف تعرض الى حرب نفسية شرسة، ولولا صدقية نوايا المتحالفين لانفرط عقدهم من زمن بعيد، لكن هذا الحلف كان واعياً لمخططات الاعداء، ويدرك مقدار إمكانيتهم في تحقيق تهديداتهم، كما يدرك مقدار قدرته في درء هذه المخاطر، كانت إيران تواجه هذه التهديدات بأتباع نصيحة الرب سبحانه في قرآنه:

(وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون) آية 60 من سورة الأنفال.

طبقوا قادتها هذه النصيحة بدقة، حيث أنهم بنوا مصداقيتهم بسياسة الصدق، وتفانيهم في خدمة قضايا الامة، وعدم الاعتداء على شعوبها وحكوماتها، بما فيهم الذين اصطفوا مع أعدائهم وساهموا بتهديد أمنهم، كما أنهم بنوا قدراتهم العسكرية والعلمية والصناعية والزراعية بالاعتماد على الله وعلى أنفسهم، وكلما كانت أمريكا والكيان الغاصب يهددونهم، كانوا يواجهونهم بعرض ما توصلوا اليه من التقنية العسكرية الجديدة في مناورات عسكرية كبيرة ومقلقة للاعداء وبأعترافهم، تقول إحدى صحف الكيان الصهيوني الغاصب المهمة “هآرتس” نقلاً عن قناة الميادين في برنامج “لعبة الامم” ما يلي:

• إن المجمعات الصناعية العسكرية الايرانية نادرا ما تجد شبيهاً لها في العالم.
• تمتلك إيران ما لا يقل عن خمسون ألف إيراني متدربون وخلاقون تعلموا كيف يصنعون الاقمار الصناعية والصواريخ والسفن والطائرات بدون طيار والبالغة الدقة.
• بالرغم من من إيران كانت محاصرة وعلى شفير الافلاس، بنت في التسعينيات من القرن المنصرم، نظامها الدفاعي الذي يوازي نظام “إسرائيل” الالكتروني المسمى (ELBIT).
• ضخت إيران عشرات المليارات من الدولارات في مختبراتها، وهذه كفيلة بإعادة “إسرائيل” ثلاثين عاماً الى الوراء.
• إستفادت إيران من الفوضى العربية، فوضعت يدها على بيروت ودمشق وبغداد واليمن، وجاء إتفاق فيينا ليسمح لطهران بمضاعفة انتصاراتها ثلاث مرات.
• طهران لم تغير توجهاتها الايدولوجية ولا تعترف بـ “إسرائيل” ولا تزال تحرق أعلام أمريكا و “إسرائيل” في ساحاتها.
• إن اتفاق فيينا يعني إن أمريكا إبتعدت عن الشرق الاوسط، واوربا تتراجع، والقوة الشيعية تتعاظم.

هذا كلام أشرس أعداء إيران، ونشرته كثير من الصحف العربية و العبرية والعالمية، وليس بروباگاندا كالتي تصنعها مشيخات الاعراب في الجزيرة والعربية وأمثالهما، وبواسطة كتاب يعتاشون على البترودولار.

كل الذي ذكرته هو شيء بسيط من التاريخ الذي كتبته إيران في سجلها المشرف، والذي ولدت منه إتفاقية فيينا.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى