مفهوم الدولة العادلة من المنظور الإقتصادي

إن كلمة الإقتصاد تعني في مدلولها اللفظي التنظيم المالي و النقدي داخل الدولة و مؤسساتها و هي تختص كليا بوضع الأسس القاعدية للنمو الإقتصادي و التنمية بشتي فروعها. أما مفهوم كلمة الدولة فهي تختلف جذريا عن كلمة سلطة لأنها أوسع شمولية و تبسط نفوذها بصفة كاملة و شاملة من أجل التنظيم الوزاري و التسيير الإداري لكافة الهياكل العمومية و خاصة منها القطاعات الإقتصادية. بالتالي يمكن تقييم العدالة الإجتماعية في كل بلد من بلدان العالم وفقا للسياسة الإقتصادية المنتهجة و البعد الإستشرافي المرسوم ضمن المخططات التنموية الإستراتيجية.

إذ لا يمكن الجزم اليوم علي أنه هناك العديد من المتغيرات علي الصعيد العالمي و لعل أبرزها تلك الإحتجاجات المتنوعة من الثورات الإجتماعية تحت مسمي الربيع العربي وصولا إلي إحتجاجات أصحاب السترات الصفراء التي تجتاح الدول الأوروبية وربما عدواها ستنتقل إلي دول أخري تعاني من تعاسة الأنظمة الرأسمالية الرجعية. إن العولمة الإقتصادية العالمية المصدرة لسياسات التحرر المالي و التجاري, للتأهيل الشامل ,للإصلاحات الهيكلية و الإدارية برزت نتائج إفلاسها و عقمها في تحسين تسيير الشؤون الإقتصادية.

كما أنها كانت دائما هي السبب الرئيسي في جميع الأزمات المالية العالمية و الإحتجاجات الشعبية و عجز ميزانية أغلب الدول العربية التي تعاني من ضعف القطاع الخاص و السياسة الجبائية في ظل قطاع مالي و بنكي هش بطبعه.

فالسياسات الإقتصادية تأخذ أشكالا متنوعة منها السياسة النقدية و المالية و السياسة التجارية و سياسة الإقتصاد الكلي المنظمة لهياكل الدولة خاصة منها المختصة في تنظيم المالية العمومية و المحاسبة الوطنية و ميزانية الدولة. لكن جوهر الأنظمة السياسية لهذه الإقتصاديات تختلف في العمق الإيديولوجي وفقا لمختلف النظريات التي تأسس عليها الإقتصاد العالمي بحيث تمثل السياسة الرأسمالية العالمية المستوحاة من نظريات المدرسة الكلاسيكية و الكاينيزية و النيوكاينيزية المسيطرة بالكامل علي النظام الإقتصادي العالمي الحالي و ذو القطب الواحد.

أما في المقابل فالأنظمة السياسية الإشتراكية و الشيوعية التي تأسست علي قيم العدالة الإجتماعية و توزيع الثروة الوطنية علي كافة الطبقات الشعبية و التي كان يروج لها عالم الإقتصاد كارل ماركس أصبحت اليوم مقموعة أو مقبورة بعد وفاة الثورة القومية و خاصة بعد إنهيار الإتحاد السوفياتي و إنكماش الكتلة الآسيوية الشيوعية علي نفسها بقيادة الصين الشعبية.

أما بخصوص الدول العربية فكانت حرب العراق سنة 2003 التي تسببت في سقوط نظام صدام حسين الإشتراكي و إستكمال تفكيك نظام الإقتصاد الإشتراكي خلال فترة بما يسمي الربيع العربي سنة 2011 وذلك بإسقاط نظام العقيد معمر القذافي و مبادئ الكتاب الأخضر تمثل في مجملها وثيقة رسمية لوفاة النظام الإقتصادي الإشتراكي في أغلب دول العالم. إن الدولة العادلة هي تلك الدولة التي تنتهج في تسيير شؤون إقتصادها المناهج المركزية أو اللامركزية في التنمية الإقتصادية التي تحقق العدالة الإجتماعية و تلبي الحاجيات الأساسية من أجل العيش بكرامة و الإستفادة من برامج التعويض الحكومية و دعم المواد الغذائية الأساسية.

هنا يتضح شرح النظرية الإقتصادية العادلة التي تأخذ طابع تحقيق التوازن داخل هياكل المجتمع المدني و في المقابل التحكم في ميزان المدفوعات و المداخيل الحكومية تحت إشراف القطاع العام المسيطر علي كافة القطاعات الحيوية داخل الدولة. فعدالة الدولة تعني الوطن في خدمة الشعب أما في المقابل الشعب يخدم الوطن. فإذا تخلت الدولة عن مكاسبها العمومية ليقع تفويضها للقطاع الخاص و للدويلة الصغيرة التي يديرها رجال المال و الأعمال داخل الدولة في مفهومها الكلي, فهنا تغييب العدالة الإجتماعية و تبرز الإحتجاجات الشعبية.

فالنظام الإقتصادي الإشتراكي تعتبر جذوره الأساسية المؤسسة للإستقرار و الإزدهار الذي يحقق الرخاء و الرفاهية و السلم الإجتماعية داخل الأوطان التي تنزف دماءا من جرح تسببت فيه الرأسمالية المتوحشة و التعيسة. إن الدولة العادلة تذكرنا بتلك الدولة التي تبسط نفوذها علي كامل هياكلها الإقتصادية و تقوم بتأميم جميع مؤسساتها المالية و البنكية و الإنتاجية و خاصة منها توفير التعليم المجاني و الصحة المجانية و النقل المجاني. فهنا تكمن جوهرية العدالة الإجتماعية داخل المجتمع بحيث يمكن تمثيله كخلية النحل التي تنتج العسل و توزعه علي نفسها و ليس للغير بحيث تكون الدولة بمثابة الشرطي العادل و الضامن لحقوق الجميع.

كما أن الفساد المالي و الإداري و التهرب الضريبي و الجبائي و غيرها من التجاوزات في الحوكمة الإقتصادية تبرز بوضوح داخل الأنظمة الإقتصادية الرأسمالية الفاشلة. أما في الأنظمة الإقتصادية الإشتراكية فالعدالة الإجتماعية تكون الفيصل بين الجميع و لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تبرز تجاوزات إقتصادية أو مالية من فساد و مشتقاته. فالدولة العادلة هي الدولة المنتجة و الجميع يعمل داخل المنظومة العمومية بحيث لا توجد ضرائب علي الدخل أو تعسف في التشغيل و محسوبية في الإنتدابات و تهميش للطبقات الفقيرة و المحتاجة بحيث الجميع سواسية أمام القانون تحظي برواتب شهرية متساوية و عادلة.

بالإضافة إلي ذلك التمتع بحياة كريمة تحت مظلة وطن واحد لا توجد فيه إعتصامات أو إحتجاجات علي غلاء المعيشة و تدهور القدرة الشرائية أو تزايد السخط و التذمر الشعبي من سياسات القطاع الخاص المجحفة السالبة لجميع حقوق الطبقات العمالية الكادحة.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى