مسعود البارزاني والإنتهازية السياسية

في البدء لايشرفني الدفاع عن الحكومة العراقية المحاصصاتية والتي ينخرها الفساد نخرا من قمة رأسها إلى أخمص قدميها. ولكن من حقي كمواطن عراقي متابع للوضع السياسي السائد في العراق وما يتخلله من مساومات وتناقضات ماأنزل الله بها من سلطان أن أذكر إنه لايحق لأية جهة سياسية مشتركة في هذه الحكومة العرجاء تبرئة نفسها، والتملص من المسؤولية، ورميها على الجهة السياسية الأخرى لذر الرماد في العيون،وإخفاء حالة الفساد المتغلغلة بين شخوصها لأن الجميع مشترك في الوليمة المحرمة.

وفي الوقت الذي يخوض فيه أبناء العراق الشرفاء حربا شرسة ضد قوى الإرهاب الداعشي، ويضحون بأرواحهم من أجل تراب وطنهم المقدس، وتحملهم مالم تتحمله الجبال الرواسي من حملات إعلامية تشن عليهم في سبيل تحقيق هدفهم الإنساني لإنهاء مأساة اللاجئين الذين نزحوا من ديارهم، ليعودوا إلى مناطقهم التي احتلها الدواعش المجرمون بأمن وأمان ، نرى في الجهة الأخرى أحزابا تتصارع على المناصب، وأزمات محتدمة تشتد حدة وتصاعدا بين هذه الأحزاب التي وضعت نصب أعينها اللهاث الدائم خلف مصالحها الأنانية الضيقة التي لاتفرز إلا المزيد من الخواء والتراجع وإرهاق الشعب العراقي الذي هو المتضرر الأول من هذه السباقات المحمومة والمهاترات المستمرة.

وحين يكشف أحد شركاء العملية السياسية الرئيسيين عن نواياه لقضم المزيد من الأراضي العراقية في هذا الظرف الخطير فإنه بلا شك يغتنم الفرصة المناسبة التي يراها سانحة لتنفيذ مآربه مستغلا ضعف الحكومة وهزالها وتفشي الفساد بين أقطابها. وقد أثبتت الوقائع إنه كلما اشتد ضعف الحكومة كلما زادت شروطه واتهاماته وخطوطه الحمراء في التعامل معها من خلال تطبيق المبدأ الميكافيلي (الغاية تبرر الوسيلة) وكما يقول المثل السائد ( إذا وقعت البقرة كثرت السكاكين من حولها) وأبرز السكاكين الحادة التي يشهرها الشركاء هي سكين مسعود البارزاني .

فهو شريك للحكومة لكنه يقيس شراكته بقدر مايحصل عليه وحزبه من مكاسب مادية فقط . وهو خصم لها حين لاتنفذ له إشتراطاته ورغباته التي لاحدود منطقية لها .

وسلسلة تصريحاته النارية لاتتوقف ضد حكومة الشراكة في الأزمات. وهو يعتبر مواقفه سليمة مئة بالمئة وإنه معصوم من الخطأ والزلل. ويحق له كل الحق أن يصبح الحاكم الأوحد في مملكته كردستان، ومن حقه أن يصدر النفط إلى تركيا دون موافقة الحكومة، ويسيطر على المنافذ الحدودية والمطارات، ويتفاعل إيجابيا مع مخططات أردوغان العثماني بإدخال قوات تركية إلى داخل العراق دون علم شركائه،ومن حقه عقد صفقات الأسلحة مع الدول الأجنبية خلافا للدستور، ومن حقه أن يطوع الآلاف من العرب السنة قسرا من أهل المناطق التي يسعى لسلخها من جسد العراق في قوات البيشمركة لمحو هويتهم وتسخيرهم لتنفيذ مخططه المعروف (رسم الحدود بالدم ) الذي تحدث عنه في أكثر من مناسبة .ومن حقه أيضا أن يفرض شروطه لتقسيم محافظة نينوى إلى ثلاثة مناطق بعد تحريرها من نير داعش وضم إحداها وما فيها من أقليات عرقية إلى كردستان. وهو الذي يدعو باستمرار إلى إجراء استفتاء على استقلال الإقليم بعد ابتلاع مايدعيه إنها أرض كردستانية مغتصبة وعلى رأسها كركوك مدينة القوميات المتآخية التي يطلق عليها (قدس الأقداس ) ليجعل منها لغما دائما في جسد العراق ، بدلا من أن تبقى مدينة آمنة لكل القوميات العراقية لكي تعيش على أرضها الطيبة آمنة مطمئنة بعيدا عن أي صراع، وتتمتع بخيراتها دون تمييز وخاصة الذهب الأسود الذي سيجعلها مدينة عراقية مزدهرة لو خلصت النوايا لصالح أبنائها وليس لصالح النزعات الفردية والطموحات الشخصية القومية والحزبية الغير مشروعة .

لكن البارزاني ظل يهدد بين آونة وأخرى بشن الحرب لاحتلالها وضمها إلى دولته المستقبلية ليجعل من نفسه بطلا قوميا للشعب الكردي دون منازع. وهو يدرك تماما إنه لا يمكن لأية حكومة عراقية أن تقدمها له على طبق من ذهب.

ولو حدث هذا الأمر فسيدخل العراق في صراعات دموية لايعرف مداها إلا الله. أما الإبن مسرور الذي يرأس المجلس الأمني لكردستان فهو على سر أبيه لابل أشد تطرفا وعنجهية. ومن المعروف إنه لاينبس بحرف إلا بموافقة الأب القائد حفظه الله ورعاه. فقد صرح بعظمة لسانه:

(إنه بمجرد إلحاق الهزيمة بتنظيم داعش، يجب تقسيم العراق إلى ثلاث كيانات منفصلة، للشيعة والسنة والأكراد، للحيلولة دون المزيد من إراقة الدماء، مضيفاً بأن عدم الثقة وصل لمستوى لايسمح ببقائهم تحت سقف واحد).

ولا أدري هل يوجد شريك في دولة من دول العالم يسلك هذا السلوك المعادي لحكومته المركزية في كل شيئ رغم إن وزراءه يمثلون ثلث الحكومة العراقية، وله نواب يسارعون إلى عرقلة أي مشروع يفيد الشعب العراقي ؟ وتثور ثائرتهم،ويطير صوابهم إذا تم استجواب وزير من وزرائهم؟ حتى يصل الأمر إلى العراك بالأيدي وتبادل الكلمات القاسية التي لاتليق بنائب يمثل الشعب كما حصل في استجواب وزير المالية هوشيار زيباري خال مسعود الذي حول وزارة المالية إلى إقطاعية كبرى للأحباب، ويقوم بسفرة من بغداد إلى كردستان بالطائرة تستغرق ساعة واحدة بملايين الدنانير وهي تكفي رواتب لجمع من الموظفين خلال عام واحد.

ويتمتع بحماية 450 شخصا لايتمتع بها أي رئيس دولة في العالم . والمواطن العراقي لايأمن على نفسه وعائلته من غدر الإرهابيين في أية لحظة. هذه هي العدالة المذبوحة من الوريد إلى الوريد في حكومة المحاصصة. ومع كل هذا وغيره الذي يزكم الأنوف يعتبره مسعود وحزبه شخصا مقدسا لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ولا يحق لأحد من النواب إستجوابه. وكمواطن متابع لمسيرة هذا البرلمان الذي يدير قراراته بالصفقات، والمزاجية الصارخة لرئيسه أشك في إنه يقدم على سحب الثقة من هوشيار زيباري في الجلسات القادمة.وهاهو مسعود يرسل إبن أخيه رئيس الحكومة نيجيرفان على عجل للقاء حيدر العبادي وتقديم التحذير المطلوب في مثل هذا الموقف، وستظهر الأيام القادمة إن الخال هوشيار باق في منصبه السيادي شاء من شاء وأبى من أبى .

ومسعود البارزاني يعلم إن مشاكله مع الحكومة المركزية لايمكن حلها بالتصريحات المتشنجة، ولا بالإجراءات غير القانونية المنافية للدستور. وإنما بالجلوس على طاولة الحوار، وإيجاد الحلول الواقعية لهذه الخلافات بنية صادقة خالية من فرض الشروط التعجيزية للخروج من هذا النفق المظلم لأن الواجب الوطني والأخلاقي يفرضان على كل من يشترك في هذه الحكومة أن يقطع الطريق على التدخلات الخارجية ويساعد على إخماد النار الطائفية التي يشعلها أعداء العراق بين آونة وأخرى والتي ستحرق الجميع دون استثناء.أما التعنت والغرور والتعويل على دعم لأمريكان وتصدير المشاكل الداخلية خارج حدود كردستان فلن تجدي نفعا لأي طرف.

إن استقلال إقليم كردستان دون التعدي على حقوق الآخرين هو حق مشروع لشعبه يقرره متى شاء. لكن البارزاني اليوم يذهب إلى أبعد من هذا بكثير بعد أن جعل من شخصه مدافعا عما يسميه (حقوق العرب السنة) لمغازلة دعاة الإقليم السني التقسيمي وهم جماعة (متحدون) الذين أصدروا بيانا مجلجلا عن (شجاعة) و(نزاهة) هوشيار زيباري.إنه أسلوب المقايضات أي واحدة بواحدة وقد صار هذا الأمر واضحا كوضوح الشمس لدى الشعب العراقي.والسنة الشرفاء من أبناء العراق ليسوا بحاجة إلى هذا الدفاع الذي تظهر منه رائحة الإنتهازية السياسية التي غرضها الأساس إعطاء إشارة لحكام الدول المحيطة بالعراق من خلال الإسطوانة المشروخة التي تكررها المحطات الطائفية (إن السنة يعانون من الإضطهاد والإقصاء والتهميش) لمنحهم المبررات للتدخل السافر في الشأن العراقي لتأجيج النار الطائفية.

وهو يؤكد على هذا الأمر من خلال زياراته المستمرة لهؤلاء الحكام وخاصة لحكام آل سعود الذين يرفعون الراية الطائفية البغيضة في المنطقة ،ويجعلون من أنفسهم أولياء أمور سنة العالم.

كل ذلك يقوم به البارزاني لصب الزيت على نار الطائفية المتأججة في المنطقة العربية وهو الشخص القومي العشائري الذي لم يهتم يوما بالأمور المذهبية . لكن الهدف من إثارة هذه القضية هي طعن شريكته الحكومة في الظهر.ومن أجل هذا الهدف الخبيث جعل من كردستان مأوى لغلاة الطائفيين من عملاء النظام الصدامي المقبور، والمؤيدين لداعش اليوم والذين إشتركوا في حروب صدام ضد الكورد .

لكنه يتجاهل تماما حرب الإبادة التي يقوم بها أردوغان ضد الشعب الكردي، ويسارع بين فترة وأخرى لتقديم الولاء والطاعة له لكي يرضى عنه وعن مخططاته المستقبلية. ولابد إن كل مواطن كردي وطني عراقي شريف يعتصره الألم وهو يرى مسعود البارزاني يقف كتلميذ مطيع في حضرة السلطان العثماني أردوغان جلاد الشعب الكردي في تركيا،هذا الطاغية العنصري الذي تسلك حكومته أبشع الأساليب الشوفينية العنصرية في محاربة الشعب الكردي الذي يبلغ عدد نفوسه أكثر من 20 مليون إنسان والمحروم حتى من التكلم بلغته القومية.ومن حق كل مواطن كردي أن يسأل مسعود هل إن دماء الكورد في تركيا تختلف عن دماء أشقائهم في العراق؟ ولماذا تطلق العنان لروحك الإنتهازية النرجسية وتحاول قلب الحقائق من أجل أن تحصل على دعم أردوغان العثماني لتبقى أطول مدة ممكنة في الحكم؟ وإلا كيف يصبح جلاد الشعب الكردي في تركيا صديقا للشعب الكردي في العراق؟؟؟ وإذا كانت الشركات التركية تعمل في كردستان والصفقات التجارية معها تدر أرباحا لك ولعائلتك وحزبك فإن الدم الكردي هو أغلى بكثير من المصالح الإقتصادية والمنافع الشخصية وعليك أن تراجع نفسك، وتثوب إلى رشدك، وتعالج قضايا شعب كردستان بواقعية تتجنب المزيد من المشاكل والأزمات في العراق. فأردوغان والأمريكان حصانان خاسران ومن يراهن عليهم فهو خاسر لامحاله. وقد رأيت بأم عينيك كيف أنقلب الأمريكان على قوات حماية الشعب الكردي بين عشية وضحاها بعد زيارة نائب الرئيس الأمريكي جون بايدن إلى تركيا وإعطائه الضوء الأخضر لأردوغان وقوى الإرهاب بارتكاب المجازر بحق أبناء القرى الكردية في شمال سوريا.

إن كل إنسان متابع للوضع في كردستان يعلم إن الإقليم يرزح تحت حكم فردي مطلق وإذا حاول أحد رفض هذه الدكتاتورية فمصيره يصبح كمصير الصحفي المغدور(سردشت عثمان حسن) الذي وجه بعض كلمات النقد إلى شخص مسعود وكتب مقالة عن الفساد المستشري في إقليم كردستان وقد سمعت بأذني من أحد أعضاء الحزب الديمقراطي الكردستاني وهو يقول في إحدى الفضائيات ( إن كل من تسول له نفسه التطاول على شخص الرئيس مسعود البارزاني سيقطع لسانه. !!!) وما حل برلمان كردستان ومنع رئيسه من دخول أربيل إلا دليل دامغ على النهج الدكتاتوري لمسعود وحزبه. والديمقراطية التي تلوكها ألسنتهم أصبحت في خبر كان.

ولو رجعنا إلى سنين خلت حين كان الشعب العراقي يرزح تحت نير أعتى دكتاتورعرفه العصر الحديث والجرائم الكبرى التي ارنكبها بحق الشعب الكوردي مازالت مائلة للعيان ولا يمكن أن ينساها شعبنا الكردي وهي عمليات الأنفال السيئة الصيت وقصفه لمدينة حلبجة بالأسلحة الكيمياوية وقتله لخمسة آلاف إنسان بريئ في غضون دقائق وتحويل المدينة إلى أرض محروقة عام 1988م. ولم يكن في بال العراقيين بعد تلك الجرائم المنكرة التي قام بها صدام وأركان حكمه أن يأتي مسعود البارزاني إلى بغداد في كانون الثاني 1992 ليضع يده بيد الدكتاتور صدام ويقبله من صدره ويطلب منه النجدة ضد أبناء جلدته ولا أدري كيف ينسى شعبنا الكردي تلك الخيانة والإنتهازية التي لم يسلكها زعيم كوردي على مر التأريخ؟ ويتذكر الشعب العراقي كيف إن صدام لبى طلبه بإرسال لواء مدرع من قوات الحرس الجمهوري لاسترداد أربيل ووضعها تحت سيطرته بعد أن ارتكب مجازر فظيعة في المدينة وسفكت فيها دماء مئات الأكراد وحينها قال مسعود لطاهر جليل الحبوش رئيس مخابرات صدام بعد الإستيلاء على أربيل وارتكاب تلك المجازر:

(أنا لي ثقة من إن فوجا من الجيش العراقي قادر بشجاعته على مواجهة فرقة من الجيش التركي وأنا مستعد لأوقع على بياض كل مايطلبه مني الرئيس القائد صدام الذي هو أب العراقيين جميعا!!!) في الوقت الذي كان صدام يزج بآلاف العوائل من الكورد الفيليين في السجون ويهجر كبار السن إلى إيران ويغيب أبناءهم في أحواض التيزاب ومسعود يحضن صدام ويقدم له الولاء والطاعة .

لكنه قال لبريمر بعد احتلال العراق (إن مثل هذا الجيش الدموي يجب أن يُجتث عن بكرة أبيه وأحييك ياسيادة بول بريمرعلى قرارك بحل هذا الجيش وهذا أسعد يوم في حياتي) وقد ذكر بول بريمر هذا الكلام في مذكراته التي نشرها .

وهناك الكثير من مسيرة مسعود المليئة بالرياء والإنتهازية، وتغيير المواقف 180 درجه كما قال أحد الصحفيين. فأية خيانة أبشع من خيانة وضع يديه بأيدي قاتلي أبناء شعبه لقاء مصالح خاصة. ولا يختلف كرديان في إن صدام وأردوغان هما قتلة الشعب الكردي بامتياز؟ وكمواطن عراقي أحب الشعب الكردي وأتمنى له كل تقدم وازدهار تحت قيادة كردية نزيهة ومخلصة، وإذا إختار دولته المستقلة دون المساس بحقوق الآخرين فإني أول المهنئين له. ولابد لشعب كردستان العزيز أن يتخلص من هذه الدكتاتورية الهرمة التي تعتبر مصالح الأبناء والأسرة والعشيرة فوق مصلحة الشعب.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى