مستقبل العدو ولعنة القنيطرة

هناك أمران مرهقان وبلا جدوى، أولهما هو تقمص العقل الجمعي لمحور مقاومةٍ بأكمله، وبكل ما فيه من دولٍ وتنظيمات، وبكل ما له من مصالح متشابكات وتعقيدات متنافرات، ثم البدء بتحديد قوائم الأهداف وطرق الرد، حتى العدو يحاول مخاطبة نفسه كوحيدٍ يغشاه الظلام فيخشاه، فيبدأ بالحديث عن تقنين الحركة على الحدود خشية انتقام المقاومة باختطاف مدنيين أو عسكريين، وإغلاق المجال الجوي في شمال فلسطين المحتلة أمام الطيران المدني خشية طيارات بدون طيار يطلقها حزب الله، واستنفار أمني بجميع سفاراته في كل العواصم العالمية، وهذه توقعات بحد ذاتها تصلح كدليل قاطع على شيخوخة العقل الاستراتيجي لهذا الكيان الواهن، وأنه مصابٌ بخرفٍ لا شفاء منه إلا بالموت، وهو ما يسعى إليه جاهداً بعد هذه الحماقة الكبرى.

وأما الأمر الثاني وهو أشد إرهاقاً، وهو ليس كذلك لأنه يحتاج لتمعنٍ أكثر وتركيزٍ أكبر، بل لأنه يطفو على سطح المعدة كبقعة زيت، فيثير غثيانها، ويطفو على النفس كبقعة نفط فيثير اشمئزازها، وهو متابعة وملاحقة ومناقشة كائنات دونية الخلق عكسية التركيب، فسافلها مكان عاليها وعاليها مكان سافلها، فتلتبس عليك المخرجات، فلا تعرف إن كانت مخرجاتهم ينتهي مفعولها بزكم الأنوف أم ستضطرون لضخ الماء، وهؤلاء بطبيعة الحال ولشدة الخرف الذي يعاني منه كيان العدو، أصبحوا دليلاً له ومقياساً يتخذهم لرسم استراتيجياته، فالزعاترة والقاسم وكيلو كأمثلةٍ لصفوة المخلوقات عكسية التركيب، قد أجمعوا أمرهم على أنّ حزب الله ترك مقاومة (إسرائيل)، ليتفرّغ لقتل العرب والمسلمين في سوريا، والعرب هنا مصطلح حصري لكيلو، ليوهم المتلقي أنه من المستهدفين كعربي وإن لم يكن سنيًا مسلمًا، والحقيقة لا أعرف هذا الكيلو ماذا ترك غير وطنه، وماذا يفعل الآن غير التدليل عليه، وبعيداً عن هذه الحماقات الصغرى، فإنّ السيد نصرالله قال في حديثه الأخير للميادين، بأنّ البناء على نظرية الانشغال هذه، هو حماقة كبيرة وليس فقط خطأ كبير، ولكن نتن ياهو المشتهر بالحماقة والغرور، يستعين بكل ما أوتي منهما، ليثبت نظرية الانشغال.

أزعم أنّ السؤال الأهم وهو من شقّين، هل أرادت (إسرائيل) حرباً، أم أرادت صيداً ثميناً بلا ثمن، بالتحليل المنطقي والعقلاني وحسابات الأرباح والخسائر، فالإجابة قطعاً هي لا تريد حرب، بل مجرد صيدٍ ثمين، يستغله في حملته الانتخابية أولاً، وتسجيل نقاط على حساب هيبة المقاومة ومعنوياتها ومصداقيتها، وتتكفل المصالح الأمريكية الروسية والمفاوضات الأمريكية الإيرانية، والرغبة السورية بعدم فتح جبهة جديدة تشغل الجيش السوري، لينفذ منها لواء اللحى في جيش العدو الصهيوني، تتكفل بكبح جماح حزب الله في حجم الرد، وهذا ما يدفع (إسرائيل) للتركيز على سقفٍ منخفض في حجم الرد، وكأنها عملية تلقين لحزب الله بالمسموح من الردود، وحتى التهديدات الخجولة الصادرة من قادة العدو لحزب الله، فهي أيضاً ذات سقفٍ منخفض، حيث أنّ قاسمها المشترك، هو دعوة حزب الله لعدم التهور، وهذا يزيد من منطقية الجواب الأول بأنّ العدو لا يريد حرباً، وهذا يعني أنّ (إسرائيل) رغم خرفها وحماقتها تدرك أنها أوهن من الانتصار في أي حرب، وتدرك أيضاً وهذا هو الأهم، أنها إذا استطاعت مجرد البقاء في حرب هذا العام، فلن يكون هذا خياراً متاحاً إن تأجلت الحرب عاماً آخر، وكلما تأجلت الحرب تضاءلت الحظوظ والخيارات.

ولكن بقسمة الأجوبة على المدارك، يكون الناتج أنّ العدو لا يريد الحرب لأنه يخشاها، وهو أيضاً يريدها، لأنها اليوم أقل كلفةً من الغد، وهذه معضلةٌ لا يمكن لكيانٍ شاخ عقله ووهنت أطرافه أن يحسمها، لذلك فإنه لن يتخذ قراره مختاراً، وسيضطر له إضطراراً، فحين يقوم حزب الله بالرد، سيتضح لنا ما هو خياره، تأجيل الحرب وابتلاع الإهانة تحت أي مسوغٍ لأنه يخشاها، أم الإقدام عليها ليتخلص بالموت من خرفه وحماقته معاً، وعليه فإنّ شهداء القنيطرة لن تسجّلهم المقاومة في قوائم شهداء الصمود وصناعة الردع والتوازن، بل سيفتتحون سجل شهداء تحرير فلسطين وزوال كيان الإرهاب، أما من سيظل من يهود العالم فسيسجلوا في تاريخهم – كما سجلت توراتهم من قبل (ملعون قدام الرب الرجل الذي يقوم ويبني هذه المدينة أريحا)- ملعون قدام الرب الرجل الذي يقوم ويعتدي على القنيطرة.

ايهاب زكي | سلاب نيوز

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى