مستقبل الثقافة العربية بين الانهيار والديجوماتية والتطرف

بقلم/ رائد الجحافي*

الكاتب رائد الجحافي
الكاتب رائد الجحافي

بالتأكيد لقد غابت عن دمشق مؤتمرات الثقافة العربية وتراجعت بغداد عن استضافة ملتقيات الشعر العربي، ومثلها طرابلس وتضاءلت ندوات القصة القصة وورش عمل الرواية العربية في تونس وبيروت وحتى القاهرة، وكذلك الحال بالنسبة لبقية العواصم العربية فلا مقديشو كان على ضفاف شواطئها يوما يطرح الكتاب العرب مشاكل تدني الكتابة العربية، ولا الخرطوم أو صنعاء بمقدورها تنظيم واستضافة موهوبي القصة القصيرة العربية بسبب غياب التمويل المالي، حتى الجزائر اكتفت برعاية وتشجيع مبدعيها على المستوى المحلي، وكذلك الحال لبقية الدول العربية التي وجدت نفسها أمام شبه انهيار للابداع والمبدعين العرب جراء ما تشهده معظم الدول العربية من مشاكل ونزاعات وحروب داخلية، بينما الدول الخليجية لم تعط هكذا قضايا أي اهتمام الا ما ندر، باستثناء دولة الكويت التي تحرص على تشجيع هذا المضمار الأدبي وتهتم نسبيا في تنظيم الدورات والندوات المتعلقة بقضايا الفكر والأدب لكنها وحدها لا تكفي، وتبقى المشكلة اليوم ليس في الدول والحكومات الراعية والممولة بقدر ما هو لانحسار العقل العربي المبدع الذي يكاد يغيب كليا في دول عربية كثيرة ويبقى الابداع العربي اليوم في مهب الريح حيث يكاد يصبح معاناة بحد ذاته بعد أن فقد آلاف الكتاب والمبدعون العراقيون لقمة عيشهم وباتوا يعرضون نتاجهم الابداعي لسنوات خلت للبيع على قارعة الطريق عل بضع كتب تسد رمق صاحبها ليشتري بثمنها قرص رغيف، دور النشر العربي تراجع نتاجها وانهارت أو تكاد تنهار رؤوس أموالها بسبب تراجع الاقبال على شراء الكتاب الورقي الذي يكاد الكتاب الالكتروني القضاء عليه، هذا في حين أن المجتمع العربي لا يقرأ كثيرا خلاف المجتمعات الأخرى، التي تعد أكثر إطلاعا وقراءة، وهذا لا يعد عامل في جانب تدهور المردود المادي فحسب بل أيضا عاملا سلبيا له تاثيره على مساحة وعي العقل العربي، وفق إحصاءات متداولة عالميا تشير إلى أن الدول العربية مجتمعة تنتج سنويا كتابا واحدا لكل 15 ألف مواطن عربي، مقارنة بألمانيا التي تنتج سنويا كتابا لكل ستمائة مواطن، أو إسرائيل التي تساهم بـ1% في الإنتاج العالمي من المعارف الإنسانية.

كما أن المجتمعات العربية عايشت منعطفات تاريخية جميعها لم تكن بيئة مشجعة للثقافة والتعليم بسبب عدم وجود الاستقرار، ففي الحقبة الممتدة من مطلع القرن العشرين حتى ستينيات وسبعينات ذلك القرن كانت الدول العربية ترضخ تحت الاستعمار الأجنبي مع أن بعض الدول العربية وجد فيها نوابغ في كافة مجالات الابداع، ثم تلتها فترة ما بعد التحرير التي أخذت فيها مرحلة محاولة بناء أساسيات أنظمة الحكم ولم تعط التعليم حقه ومع انفتاح بعض الدول على تجربة مفاهيم الديمقراطية والتعددية دخلت في صراعات داخلية انعكست سلبا على مسألة الحريات وشهدت تلك الدول ومعها الدول الملكية مراحل شد الخناق على المثقفين ورجال الفكر ما أثر سلبا على وعي العقل العربي الذي ظل يعاني ذات القيود وكان للنصوص الدينية والنظريات المتشددة دورها في كبح جماح العقل العربي الذي يخشى الوقوع في المحظور، ثم جاءت المرحلة الأخيرة التي بدأت من تسعينيات القرن الماضي بحرب العراق والكويت لتدخل المثقف العربي في أتون الواقع المنهار أمنيا واقتصاديا وسياسيا وغيرها من العوامل الأخرى التي خلقت بيئة غير مستقرة لا تساعد على الانتاج العلمي والثقافي وامتدت حالة عدم الاستقرار إلى اليمن التي سقطت فيها احدى ابرز منارات الثقافة العربية “عدن” في اليمن الجنوبي وانهارت عوامل الابداع هناك في حين كان الشاعر اليمني عبدالله البردوني يلملم أشتات حلمه الكبير وينذر برحيل مشروع الابداع العربي ورحل يطوي آخر أمل للابداع في اليمن، وهكذا أصبحت معظم دول المنطقة العربية اليوم تعيش واقع مضطرب جراء الحروب والنزاعات الداخلية والخارجية في حين بقية الدول التي احتفظت باستقرار اوضاعها الداخلية مثل دول الخليج كانت ولا تزال طفرة النفط فيها لا تحقق أي تشجيع ثقافي علمي بقدر انعكاساتها السلبية على العقل الذي يعيش فيها والذي أضحى ينظر إلى تحقيق أكبر رأس مال من النقود والماديات بعيدا عن التعليم والدول العربية مجتمعة انظمتها لا تشجع على البحث العلمي لذلك جامعاتها التي يبلغ عددها بالآلاف لم تستطع مواكبة جامعة اسرائيلية واحدة.

لهذا فالمثقفين العرب الذين يصارعون اليوم من أجل طرح نتاجاتهم الابداعية قليلون جدا وتكاد المجتمعات العربية تخلو من أي مبدعين في حين ينذر المستقبل القادم بنهاية الابداع والمبدعين في عالمنا العربي ليظهر من ندر منهم ليس الا عبارة عن شخصيات ديجوماتية منغلقة ذهنيا على معتقدات وقيم معرفية لا تخرج عن التعصب والتطرف ورفض الآخر من منطلق التقليد وثقافة الآنا اللاشعورية.

* كاتب من اليمن الجنوبي

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى