محور المقاومة من الدفاع إلى الهجوم؟

من “درع دمشق” و”حزام بغداد” إلى “حصار صنعاء”

منذ فترة ليست بعيدة، وصل قائد ميداني خبير ومتمرس الى العاصمة العراقية بغداد، وقف على مداخلها متفقداً حاميتها، جال على القطع العسكرية والتحصينات، حدد مكامن الضعف والأماكن القابلة للاختراق، لتبدأ بعدها عملية ضخمة وواسعة لتأمين ما يسمى اصطلاحاً “حزام بغداد”.

من دمشق “درع العاصمة”

هذا القائد الميداني لم يكن سوى واحد من عدة قادة ميدانيين خبراء في معارك المدن والجغرافيا المفتوحة على حد سواء، وصلوا إلى بغداد كمستشارين موفدين من حلفائها في “محور المقاومة”. إحدى آخر مشاركات هذا القائد كانت تشكيله الى جانب رفاق له، ما عُرف في حينه بـ “درع العاصمة” دمشق، الذي تحطمت على سواتره كل هجمات المسلحين، وموجاتهم البشرية التي عدت بالآلاف، ليطلق بعدها عملية فك حصار مطار دمشق وطريقها الدولي، وصولاً الى تطهير مناطق واسعة في ريف دمشق لا سيما في غوطتيها الغربية والشرقية.

بغداد وحزامها وانكفاء داعش

وصول القائد الميداني تزامن مع اشتداد هجمات “داعش” في محاولاتها البائسة للسيطرة على عقد الطرق التي تصل المحافظات الشمالية ببغداد، واستمرار محاولاتها لتحقيق اختراقات في محافظتي ديالى وسامراء تمكنها من تحقيق ما تسميه “دراسات واشنطن” عمليات “الصدمة والرعب”، التي ستفتح لها الطرق الى بغداد من خلال ترهيب حاميات النقاط الاستراتيجية حولها.

تم تأمين “حزام بغداد” بعد صد هجمات عدة على الطرق الواصلة إليها، وإفشال هجوم “سامراء”، وتشديد حصار الفلوجة، وضمان مناطق محافظة ديالى الاستراتيجية، فانكفأت داعش ويئست من معاودة الهجمات جنوباً، وانطلقت في هجمات جديدة باتجاه سنجار ومحيطها منفذة مجازر عديدة في العديد من القرى المسالمة الخالية من المقاتلين، لاستعادة بريق “إجرامها” والتغطية على فشلها جنوباً. وبلغت ذروة عملياتها خطورة عندما بدأت بالتقدم باتجاه أربيل لتستنفر دول العالم خصوصاً بريطانيا والولايات المتحدة خشية وصولها الى منابع النفط التي تستفيد من انتاجها بشكل كبير، بعدما صمتت طويلاً ولم تحرك ساكناً أمام شلال الدم المتدفق نتيجة إجرام داعش بحق الأقليات العرقية التي تختلف معها في المنطقة.

حصار صنعاء.. سلمياً

منذ يومين ألقى زعيم “أنصار الله” خطابا نارياً، حذر فيه حكومة الرئيس عبد ربه هادي من مغبة الاصرار على قراراتها الاقتصادية الأخيرة، بعدما تنصلت من كل ما وعدت به وتوجهت إلى الإقصاء واقتصرت على تنفيذ رغبات النافذين.

كلمة الحوثي جاءت لتحث الجماهير على المشاركة في تظاهرات حاشدة للمطالبة بإلغاء قرار رفع الدعم عن المشتقات النفطية (ما يصطلح على تسميته بالجرعة) وإسقاط الحكومة. وقد انطلقت التظاهرات التي شارك فيها عشرات الآلاف في مناطق مختلفة من العاصمة صنعاء.

التظاهرات جاءت على خلفية مطالب اقتصادية، لم يفصلها المراقبون عن المسار الذي يسلكه الحوثيون لاستثمار انتصاراتهم العسكرية الأخيرة، في مواجهة حكومة هادي المدعومة سعودياً، خاصة بعدما وصلت قوات “انصار الله” الى مشارف صنعاء سابقاً، في عملية عسكرية توجت بسيطرتها على محافظة عمران مسجلة نصراً عسكريا كبيراً على مقاتلي حزب الاصلاح والتكفيريين، المعززين بمقاتلين غير يمنيين، مدعومين من قبل بعض ألوية الجيش اليمني الموالية للحكومة.

ويواصل مقاتلو “انصار الله” تسجيل المزيد من الانجازات الميدانية خاصة في المعارك التي يخوضونها في محافظتي مأرب والجوف، الأمر الذي يدفع للتساؤل عن مصير سنين طويلة من الجهد السعودي والأموال المدفوعة لبسط سيطرة الأحزاب والجماعات المرتبطة بالمملكة على القرار والميدان اليمني، خاصة بعد التسوية التي جاءت بحكومة يمنية محسوبة على السعودية.

قراءة التطورات اليمنية كحالة منفصلة عن الواقع الاقليمي، مسألة لن يكون من السهل تدعيمها بالوقائع المنطقية أو ابعادها عن سياسة المحاور الموجودة في المنطقة، وهي بالتأكيد لن تكون إلا حجراً وازناً في كفة أحد المحورين المتواجهين.

ونظراً لتزامن التطورات وارتباطها أفقياً وجغرافياً على مساحة صراع المحاور، يعتقد بعض المراقبين أن عملية تدحرج الانجازات التي حققها مقاتلو “أنصار الله” لا بد وأن تصب في خانة تعزيز موقف “محور المقاومة والممانعة”. ويذهب بعضهم الى الحديث عن ان الخطاب الهادئ لأحد أهم اركان محور المقاومة سماحة السيد حسن نصرالله، لا يعني أن المحور لن ينتقل من الدفاع الى الهجوم، ومحاصرة خصومه وداعميهم حيث “يجب” وحيث “يمكن”، وان كانت الأولوية في خطاب سماحته تبقى لعملية التصدي لإجرام “داعش”، الا أن العناوين المشتركة بين خطابي السيد نصرالله والسيد الحوثي معطوفة على الوقائع الاقليمية الأخيرة، تؤكد بالنسبة للمراقبين أن المحور قد انتقل فعلياً من عملية تعزيز الدفاعات “قطرياً” الى تحقيق الانجازات هجوماً أيضاً على المستوى المحلي لكل جبهة، قبل الانتقال بشكل كلي الى مرحلة الهجوم العسكري والسياسي الأوسع.. إذا لم يتم تحقيق تسوية شاملة قبل الموعد المحدد

جمال شعيب

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى