مبادرة نصر الله الرمضانية: تراجع أم مسؤولية؟

في التوقيت الحاسم، وضع السيد حسن نصر الله مبادرته على الطاولة. لم يحتج لمقدمات، سياسية أو إنشائية، قبل أن يعلن استعداده للذهاب إلى «أي حوار بلا قيد وبلا شرط».

ولأن هذه الخطوة جاءت مخالفة للسياق الانفعالي الذي يتحكم بمواقف الجميع، فقد أحدثت حالة من الارتباك بين الخصوم والحلفاء على السواء. وإن شكك الخصوم، سريعاً، في خلفياتها، رافضين ملاقاتها، حيث اعتبر سمير جعجع أن «من يجرب مجرب يكون عقله مخرب».

لماذا أعلن السيد ما أعلنه في هذا الوقت بالذات؟ هل ثمة معطيات محلية وإقليمية فرضت عليه التوقف لبرهة، ثم التراجع خطوة إلى الوراء، أو كما أسماها البعض «تقديم التنازلات»؟ هل شعر نصر الله أن الاحتقان السياسي والأمني لامس فعلاً الخطوط الحمراء التي تستدعي من المعنيين أن يتحملوا مسؤولياتهم من دون الالتفات إلى معايير الربح والخسارة؟ هل ما قاله السيد هو خطة تكتيكية لرمي الكرة عند الطرف الآخر والتحرر من الضغوط التي تواجهه إثر تدخله في سوريا؟

ثمة من المرحبين بالخطاب من يدعو، بداية، إلى عدم تغييب العامل الرمضاني. لا يحتاج أي مؤمن إلى أن يتذكر أن شهر رمضان هو شهر التسامح والتلاقي. ولكن، في المقابل، لا يحتاج أي عاقل إلى كثير من الجهد ليعرف أن البلد كله صار على كف عفريت. ولأن لا حكومة ولا مجلس نواب ولا اقتصادا سليما ولا أمنا معافى، كان لا بد أن يتدخل أحد لإحداث خرق ما. بمعنى آخر، فإن الدعوة قد لا تكون مبنية على قواعد كبيرة أو استراتيجية، إنما بالحد الأدنى هي دعوة إلى الهدوء، طالما أن الصراخ والشتائم والاتهامات وانعدام الثقة تقود البلد إلى مكان خطير. «ليس في ذلك نبذ للاختلافات الجوهرية الموجودة بين الأفرقاء، إنما طريقة مختلفة لمقاربة هذه الاختلافات»، يقول أحد المعولين على خطاب نصر الله.

ثم، من قال إن ما يعانيه البلد مرتبط بالسياسة حصراً؟ ومن قال إن اللبنانيين لا يهتمون أكثر بالوضع الاقتصادي الذي يشارف على الانهيار؟ وبالجرائم والسرقات التي تداهمهم كل يوم؟ أو بمسألة النازحين السوريين الذين تخطى عددهم المليون؟.

هذه عناوين يمكن أن تشكل وجبة دسمة للحوار، والأهم، أن معالجتها يمكن أن تكون عناوين لتوافق بين الجميع، بما يفتح أكثر من نافذة على المواضيع الخلافية الأساسية.
عملياً، يرى مصدر مقرب من «حزب الله» أن من كان يعتبر أن وجود حكومة الرئيس نجيب ميقاتي شكلت عائقاً أمام التقاء اللبنانيين، لم يعد أمامه أي عذر الآن لرفض الحوار، إلا إذا كان مصراً على ربط مصير لبنان بمصير المنطقة.

لم يتوقف نصرالله عند هذه العناوين في خطابه، فحسب، إنما ذهب إلى الحد الأقصى، إلى الاستعداد لمناقشة الاستراتيجية الدفاعية بدون أي قيد أو شرط.
أعاد الأمين العام لـ«حزب الله» فتح أرشيف جلسات الحوار الوطني. عاد إلى ما قبل حرب تموز، مذكراً بالاستراتيجية الدفاعية التي قدمها، والتي أجمع أعضاء طاولة الحوار حينها على أهميتها، طالبين بعض الوقت لدراستها. كان ذلك في 26 أيار 2006. وبعد مرور سبع سنوات على ذلك التاريخ، لم تقدم الملاحظات بل استبدلت بدعوات مستمرة لتسليم سلاح المقاومة.

موقف نصر الله من حماية الجيش لم يكن جديداً. في جلسة الحوار تلك، أصر على دوره الرئيسي في مواجهة الأطماع الإسرائيلية، «بالتنسيق مع المقاومة الشعبية، وبما يتيح لها الفاعلية والقدرة على التحرك من دون أن يحمل الدولة مسؤولية أي أداء شعبي مقاوم».

نصر الله كان عرض أيضاً، في مداخلته التي استمرت سبعين دقيقة، مميزات المقاومة، من حيث المرونة والديناميكية والانضباطية والسرية التامة، والقدرة السريعة على اتخاذ القرار من دون رتابة إدارية.

بدأ نصر الله مطالعته، حينها، بالتأكيد على أن الأساس أن نكون متفقين أنه يوجد تهديد إسرائيلي مستمر للبنان. أما رد الرئيس سعد الحريري، الواضح أن دعوة نصر الله الأخيرة كانت موجهة له شخصياً، فقد كانت: «مطالعة مهمة جدا، ويجب التفكير بها، لاننا فعلا نعيش في خوف التعدي علينا من قبل العدو الاسرائيلي، وكل لبناني يريد موضوع الدفاع عن الوطن، ونحن نريد الوصول الى وسيلة نتفاهم حولها وتحظى بالاجماع من الجميع لخدمة الوطن والمواطن».

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى