ما الذي أراده “حزب الله” من لقاءاته أخيراً وأي خطر يستشعر؟

خلال الأيام القليلة الماضية كان لمسؤولي “حزب الله” حراك سياسي لافت بدأ بلقاءات مع عدد من القوى والاحزاب والشخصيات الحليفة، ثم بلقاء مع رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط، وهو لقاء اضفى عليه الطرفان طابعا مميزا ووصفاه بأنه محطة مختلفة، وكانت ذروة الضوء في مشهد اللقاء النادر الذي جمع القطبين في “حزب الله” الوزير محمد فنيش والنائب محمد رعد مع القطب المتقدم في “تيار المستقبل” الوزير نهاد المشنوق.

الحدث برمّته حرك المياه الراكدة في بركة السياسة اللبنانية من جهة وفتح الابواب الموصدة امام رزمة تساؤلات وتكهنات عن الماهية والابعاد والخلفيات والنتائج.

مع ندرة كلام دوائر التحليل والقرار في الحزب عن جوهر الغايات والمقاصد غير المرئية لدورة اللقاءات هذه بمألوفها وبالخارج على المألوف فإن ثمة عارفين بأمور الحزب يكتفون بإعطاء عنوان عريض لهذه المروحة من اللقاءات، وهو العمل على تحصين الوضع ثم التحصين وصولا الى الوحدة. هذا الاستنتاج يقلل الى حد بعيد قيمة الكلام الذي راج في الآونة الاخيرة وتبنته اكثر ما يكون اوساط قوى 14 آذار عن جملة عروض يتم تداولها جديا بين المعنيين بهدف ملء الشغور الرئاسي وصولا الى حكومة جديدة واستطرادا الى التمديد لمجلس النواب الذي أوشكت ولايته على الانتهاء.

معطى اساسي يقدمه اصحاب هذه الرؤية بغية اسناد رؤيتهم ومفاده ان الزمن الاقليمي والبالغ التعقيد هو زمن استمرار الصدامات، وليس ثمة ما ينبئ بأنه زمن تسويات وصفقات وحلول في ساحة ما من ساحات التصارع الواسعة بدءا من صنعاء مرورا بالعراق وخاتمة المطاف في ساحتي سوريا ولبنان. لا ريب ان ثمة اجواء ومناخات اكثر طراوة وتذخر بالوعود تتكئ على اللقاءات المتواضعة التي عقدت بين الرياض وطهران منذ فترة ليست بالبعيدة، لكن المعطيات التي استشفها المعنيون في بيروت أظهرت ان الامور ما برحت في بداياتها وتحتاج الى زمن وجملة براهين وخطوات عملية ليجرؤ المعنيون بعدها على القول ان قطار التسويات قد انطلق. والاولوية الآن هي لساحة اليمن حيث العيون شاخصة والرهانات معقودة على كيفية انفاذ التفاهمات التي اعقبت اجتياح الحوثيين لصنعاء بسرعة قياسية وذلك ليبنى على الشيء مقتضاه، ويقال ان الابواب الموصدة قد بدأت بالتفتح.

ولان “حزب الله” يعي اكثر من سواه قيمة هذه المعادلات وتشابكها، ولأنه لا ينكر بأنه بات الآن وجها لوجه أمام مرحلة مصيرية بفعل تداعي التطورات بعد الصعود العاجل والمفاجئ لتنظيم “داعش” ومن يدور في فلكه، فإن من الواضح ان جولة لقاءاته الداخلية الاخيرة بما فيها لقاءا كليمنصو وساحة النجمة، تندرج في سياق انطلاق الحزب في رحلة حراك جديدة في غاياتها المضمرة الآتي:

– ان الحزب كما سواه من القوى والجهات المعنية، يتفحص ويمحص بدقة رزمة معلومات تباعا من منابع داخيلة وخارجية على السواء عن مخاطر متنامية نابعة من رغبات كامنة لدى “داعش” و”النصرة” في الاقدام على فعل مباغت يقلب الموازين ويكون له دوي الصدمة ووقعها على غرار ما حصل في عرسال قبل اكثر من شهر، وهو ما جعل الوضع اللبناني عسكريا وسياسيا أسير هذين التنظيمين. وبمعنى آخر يأخذ الحزب على محمل الجد المعلومات المتواترة عن تحركات في طرابلس للمتشددين وعن مخاوف من حراك في منطقتي البقاع الغربي وحاصبيا ومرجعيون وراشيا.

وعليه، فان لقاءاته الاخيرة تندرج أكثر ما يكون في سياق التعامل مع هذه الاخطار الداهمة وسبل درئها، خصوصا ان الحزب صار يعتبر صراحة ان الاولوية عنده الآن هي الوقوف في وجه خطر التكفيريين الذين أعلنوا حروبا دائرية.

– ولأن الحزب شهد بأم العين كيف ان جنبلاط بادر الى اطلاق نفير التحذير من الفتنة ومن جدية الخطر “الداعشي” خصوصا في جولته الاخيرة في اقاصي الجنوب والبقاع، فان لقاءه الاخير معه كان مخصصا اكثر ما يكون للتفاهم على سبل التنسيق لجبه هذا الخطر الذي بات عاجلا، فضلا عن بعد آخر هو تمتين مسيرة التلاقي بين الطرفين والتي كان لجنبلاط قصب السبق فيها لحظة انتقل الى الضاحية الجنوبية للاجتماع بالامين العام للحزب السيد حسن نصرالله قبل بضعة اشهر. وفي الحصيلة ان الحزب شاء من هذه الزيارة تمتين الحد الاقصى من علاقته مع جنبلاط في اطار السعي لتطويرها.

– ولأن الحزب يدرك ايضا ان رياح الخطر “الداعشي” التكفيري لم تعد حصرا على شارع سياسي دون غيره، فانه صار يقيم أخيرا على معلومات وتقارير تشف عن ان “تيار المستقبل” ليس الآن في أسعد أيامه مع شارعه، وانه فعلا يستشعر خطر اغراق هذا الشارع في مزيد من الاضطراب والتوتير والتوريط، فبادر (الحزب) الى اتمام اللقاء الذي جمع فنيش ورعد الى المشنوق، خصوصا ان الاخير أثبت بالملموس منذ أن صار وزيرا تمايزا في علاقته اليومية مع الحزب متبنيا استراتيجية متحررة بقدر كبير من عقد الماضي القريب ومن حساباته ورهاناته وخطابه “الصقري”. وعليه يمكن القول ان الهدف الاساسي لهذا اللقاء هو بالنسبة الى الحزب تدعيم الحد الادنى من التلاقي مع “تيار المستقبل” وسط التقدم المطرد للخطر “الداعشي” في الساحة السنية لا سيما انه لم يعد بمقدور أحد نكرانه او ضرب الصفح عنه.

وبالاجمال فان الحزب بحركته الاخيرة هذه حقق جملة أهداف، فهو ساهم في تبريد الساحة الداخلية التي باتت أسيرة الهواجس والاحتقانات، وأظهر ايضا رغبة في التلاقي والبحث عن حلول، لا سيما انه قطع منذ زمن مع سياسة الابواب الموصدة مع أي فريق داخلي.

ابراهيم بيرم – النهار

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى