ماذا ينتظر أردوغان فى إدلب

فى ظل المتغيرات الجذرية التى يشهدها الميدان السوري خاصة الجنوب فى درعا والقنيطرة، يطرح السؤال نفسه، وهو نفس السؤال الذى طرحنا فى مقالات سابقة، وهو كيف ستتعامل تركيا وكيف سيكون موقفها، عندما تأتى لحظة وقوف الجيش العربي السوري بقوات ضخمة على اعتاب محافظة ادلب (عاصمة الارهابيين ومسمار تركيا فى شمال سوريا)، هل حينها ستتراجع تركيا خطوة للوراء، وتتعامل مع الواقع وتكون عامل مساعد ومفتاح للحكومة السورية كي تعود سيطرتها مجددا على محافظة ادلب، أم انها ستجعل من المليشيات المتواجدة هناك كعقبة فى وجه الجيش العربي السوري فى حال رغبته كسر المعادلة بشمال سوريا. فحينها الامر لن يكون مجرد صدام بين المليشيات المتواجدة بأدلب والجيش السوري، بل بين أنقرة وموسكو، وكي يتجنب أردوغان ذلك الصدام عليه أن يتعظ مما يدور الان فى تل أبيب بين القيادة الاسرائيلية والوفد الروسي الذى يرأسه وزير الخارجية ورئيس الاركان، المتواجد للتأكيد على اتفاقية فض الاشتباك بين سوريا واسرائيل الموقعة عام 1974، مع احتمالية تواجد لافروف والجنرال جيراسيموف فى تل أبيب لأمر أخر قد يكون أكثر أهمية وخطورة من تثبيت فض الاشتباك بين سوريا واسرائيل، فلا يعقل أن تأتى زيارة الوفد الروسي العاجلة بطلب من بوتين الى تل أبيب، الا واذا كان هناك جديد وطارئ لم يتم تداوله بين نتنياهو وبوتين، فى كل اللقاءات التى جمعتهم سابقا والتى كان أخرها بموسكو منذ ايام.

فقد صرح الاسبوع الماضي المتحدث بأسم وزارة الخارجية التركية حامي أقصوي، قائلا: “إن تركيا لا تريد أبدا أن يتكرر في محافظة إدلب السورية السيناريو الذي شهدته الغوطة الشرقية وشمال حمص، وهو ما يشهده الآن جنوب غربي سوريا، فذلك سيعد انتهاك لاتفاق استانا”.

ومن هذا التصريح يتضح أن تركيا لم تستوعب مبكرا ما دار بالكواليس كي يعود الجيش العربي السوري لدرعا والقنيطرة، ورمزية خروج اصحاب الخوذ البيضاء والزمم السوداء، والتى جاء عملها فى الميدان السوري كعمل استخباراتي بأمتياز لا انساني كما يدعى الاعلام الغربي، بعد تدخل الموساد الاسرائيلي بالتعاون مع الاردن واجهزة استخبارات غربية فى مقدمتها الاستخبارات الخارجية البريطانية وتدخل من حكومات المانيا وكندا لاجلاء هولاء من سوريا.
وأن العقل التركي استهلك وقتا طويلا لترجمة ما بين السطور، ولادراك رمزية عملية اجلاء سكان بلدتي الفوعة وكفريا الى حلب، بعد حصار دام لثلاثة سنوات من جبهة النصرة لتلك البلدتين، ونفس الامر فى تسليم الولايات المتحدة لأكثر من مرة ببقاء الرئيس بشار الاسد وانتصاره، فى ظل اعطاء الضوء الاخضر لعودة النازحين السوريين لبلادهم، بالتزامن مع فتح روسيا ممرات لعودة اللاجئين السوريين بالاردن ولبنان لبلادهم.

فالجنوب السورى باتت نهاية تطهير أخر جيوبة مسالة وقت، وبعدها سيفتح الجيش العربي السوري صفحة جديدة فى كتاب التاريخ بعنوان “تحرير الشمال السوري” وما أدرك ما بالشمال السوري لغير سوريا قبل سوريا نفسها.

وبتلك اللحظة سيدرك الجميع وفى المقدمة كل من أنتقد القيادة السورية عندما عزمت على تجميع كافة الارهابيين والمرتزقة بكافة ارجاء البلاد فى محافظة واحدة الا وهي محافظة ادلب، أو بمعنى اخر فى غرفة واحدة.

نعم فى غرفة واحدة بها أكثر من 128 فصيل ارهابي، فى غرفة واحدة بها ما يقرب من 60 جنسية، فى غرفة واحدة يتحدث فيها ارهابيين بأكثر من 22 لغة، والادهى من كل ذلك أن تلك الغرفة ليس لها أي نوافذ غير نافذة واحدة مطلة على شرق تركيا، نعم شرق تركيا الذى قال عنه اردوغان منذ 15 عام (بعد أن بشره الغربي فى مؤتمر حلف الاطلسي باسطنبول2004، بعودة الخلافة ولكن بالنمط الحداثي) سيكون لها الكلمة والقرار فى مصير الشرق الاوسط الجديد، ويا للعجب يأردوغان رجب.

فهل ادركتم الان حجم القلق الذى ينتاب تركيا تجاه مصير ادلب، فتلك الغرفة (ادلب) التى تحدثنا عنها والتى يعمل اردوغان على جعلها رمح فى وجه الجيش السوري حال تقدمه نحو مناطق نفوذ تركيا بشمال سوريا، قد تتحول الى خنجر فى ظهر اردوغان، وبمباركة من الكبار، فهل سيكون موقف الاطلسي حينها على نفس الرأي، أم سيخالف واشنطن وموسكو؟

ولو تراجع اردوغان وتعامل مع الواقع كما تعاملت اسرائيل مع روسيا، هنا السؤال أين سيكون مأوى الاف الارهابيين بعد تطهير ادلب؟ فهل ينتهي أمر هولاء من حيث ﺍﺑﺘﺪَﻭﺍ فى معسكرات دياربكر وكارامان وعثمانية وشانلى اوروفا؟ أم ستكون لهم أدلب مقبرة كبيرة؟ أم سيكون هناك أكثر من ادلب خارج سوريا وبالتحديد فى بلاد هولاء المرتزقة؟ أم سيكون لهولاء مأوى فى ليبيا؟

أما السؤال الذى ننتظر اجابته حقا، فكيف سيكون مصير الاكراد سواء فى معادلة الشمال السوري او بشرق الفرات؟

عموما فى كل الحالات سيكون الخبر الذى نشر بصحيفة “يني شفق” التى يديرها الكاتب التركي ابراهيم كارجول (أحد اكثر الصحفيين المقربين لاردوغان، ومن يصطحبه أردوغان فى اغلب زياراته الخارجية)، وهو الخبر الذى يفيد بأتفاق ما قد جرى بين انقرة وموسكو لضم حلب لتركيا مقابل اعادة اعمارها بالكامل وعودة اهالي حلب لها، هو أكبر مزحة فى التاريخ الحديث.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى