ماذا يعنى فوز الأسد بالنسبة للخاسرين ؟

في اجتماع رؤساء تركيا و روسيا و ألمانيا و فرنسا في العاصمة أنقرة منذ ثلاثة أشهر تقريبا كان التأكيد، الذي تكرّر مرتين في البيان الختامي للقمة، على سيادة سورية وسلامة أراضيها، مؤشراً لا لبس فيه على أن جميع المشاركين أقروا بانتصار الأسد ، على الرغم من أنه لم يكن موجوداً شخصياً أو أي ممثّل عنه. قد يتطلّب هذا الإقرار الجوهرى و الصريح من الجيش السوري وقتاً أطول ليتمكّن من استعادة السيطرة على جميع الأراضي السورية والمعابر الحدودية، لكن فوز الرئيس بشار الأسد يعني أيضاً فوز روسيا وإيران، الأولى تمتلك الآن قاعدة جوية بالقرب من اللاذقية وستكون موجودة لعقود مقبلة، والثانية، ساعدت بكل الوسائل المتاحة على عدم سقوط النظام ، لاحظتم معي غياب ممثل الدول الخليجية التي مولت الجماعات الإرهابية التكفيرية التي نفذت المؤامرة الصهيونية التركية الأمريكية القذرة و هي طبعا قطر و السعودية و الإمارات و الأردن بطبيعة الحال ، تدركون معي أن المستشارة الألمانية إنجيلا ميركل و الرئيس الفرنسي مانوال ماكرون يمثلون بالطبع أصالة و نيابة مصالح الحكومة الأمريكية .

يقول المتابعون و المحللون أنه و لئن لم يصدر عن هؤلاء المجتمعين على ضفاف نهر البوسفور التزامات ذات شأن فإن هذا الاجتماع قد شكل نقطة تحول مهمة في الحراك السوري مؤكدا انتصار الرئيس السوري بل انتصار كامل حلف المقاومة المتمثل في دمشق و طهران و لبنان ممثلا في حزب الله و هو أمر يحصل لثاني مرة بعد انتصار الحلف في معركة صيف 2006 ، بطبيعة الحال هذا الانتصار التاريخي الذي لم يسبق له مثيل في تاريخ الصراع العربي الامبريالي الصهيوني هو من أربك اليوم كل الحسابات السياسية و الإستراتيجية في المنطقة و من أدى إلى ارتدادات مزعجة جدا لدى الأنظمة الخليجية و لدى الكيان الصهيوني و أدواته مثل الإخوان المسلمين و بعض المتآمرين مثل محمد المنصف المرزوقي و سعد الحريري و وليد جنبلاط إلى آخر القائمة الطويلة ، أنعكس هذا الارتباك في إقالة وزير الخارجية السعودي عادل الجبير الذى خلف نظيره الفاشل سعود الفيصل ، في استقالة وزير الدفاع الأمريكي رغم صداقته القوية لدونالد ترامب ، في البيان السخيف الصادر عن النظام السعودي في خصوص رجوع سوريا للجامعة العربية ، في الموقف الرسمي التونسي الذي شكل صدمة للشعب التونسي ، في الموقف الأردني الذي نادي بوحدة الأراضي السورية مع أنه كان متآمرا إلى الآن على هذه الوحدة و على النظام السوري معتبرا أنه جزء من الهلال الشيعي .

لعل بيان حركة النهضة التي كانت جزءا فاعلا و مدمرا و مضرا بالشعب السوري و أحد المنفذين الأساسيين للمؤامرة القذرة على سوريا تماهيا مع حالة تشابك المصالح مع إسرائيل قد جاء مثيرا للغثيان إلى حد لا يطاق و لعل الحركة قد ووجهت من طرف الأغلبية الساحقة من الشعب التونسي بحالة نفور صادمة ، موقف الحركة الذي فرضه واقع الانتصار السوري على العدوان الإرهابي و هزيمة محور التآمر القطري الصهيوني الأمريكي التركي و الذي تزامن مع زلزال الحقائق الفاجعة التي كشفتها هيئة الدفاع عن الشهيدين شكري بلعيد و محمد اببراهمى حول وجود جهاز عسكري سرى قد زاد من الارتباك و الانزعاج الواضح الذي أظهرته قيادات حركة النهضة ، هذا البيان الموقف جاء معبرا عن كثير من الخسة السياسية التي أصبحت تلازم كل تصريحات هذه القيادة البائسة خاصة منذ القطيعة المريبة بين مرشد الحركة السيد راشد الغنوشى و رئيس الدولة، اليوم يتم الانتقال إلى مرحلة مهمة من تاريخ المنطقة و من تاريخ الصراع العربي الصهيوني، يقول المحللون أن حضور هؤلاء القادة دون حضور قطر و حضور ما سمى بالائتلاف السوري و حضور ممثل الإخوان المسلمين في سوريا هو رسالة قوية واضحة أن دور العملاء قد انتهى .

ربما خسرت سوريا الكثير على مستوى الضحايا البشرية و على مستوى البنية التحتية الاقتصادية و لكن مكاسب الانتصار في هذه الحرب الغير المسبوقة في تاريخ المنطقة و على مستوى العالم تكاد لا تحصى على أكثر من صعيد ، نحن نتحدث عن عودة الدور الروسي بكامل ثقله السياسي و المعنوي و العسكري و هذه العودة لم تكن لتحصل لولا ذكاء القيادة السياسية السورية و لولا شعور القيادة الروسية بثقل الوزن الاستراتيجي السوري و لما تمثله سوريا كحجر زاوية في معادلة الصراع و المواجهة العربية الصهيونية الامبريالية الصليبية ، عودة الدب الروسي إلى سوريا سيبقى حدثا مهما في مجريات السياسة الدولية و لعله سيشكل الحدث الكبير الأبرز منذ انتصار حزب الله في حرب تموز 2006 و هروب القوات الأمريكية من العراق تحت وقع المقاومة العراقية ، وحده المتقبل سيكون كفيلا بإطلاعنا على ارتدادات الانتصار السوري على الأوضاع السيئة في دول الخليج و وحده التاريخ سيكون كفيلا بإطلاعنا كم بذلت خزائن قطر و السعودية من أموال بدون طائل.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى