ماذا لو جلس دونالد ترامب مع حسن روحاني ؟

هذا ليس افتراضا أبلها أو غبيا بل هو افتراض ينبني على قاعدة ثابتة معروفة لكل من مارس السياسة هواية أو احترافا و هذه القاعدة تقول بمنتهى البساطة أن سياسة الدول تحددها مصالحها و ليست هناك عواطف في السياسة و لا في المصالح و بناء عليه نلقى السؤال العبيط التالي : هل هناك من القادة العرب الذين يعارضون أو يسعون إلى تحجيم الدور الإيراني في المنطقة العربية من فكر مجرد التفكير في احتمال و لو بنسبة ضعيفة جدا في أن يفاجأ بلقاء مثمر بين القيادة الأمريكية و القيادة الإيرانية ، لقاء يضع حجر الأساس لعلاقات جيدة بين الطرفين و لحالة عداء أمريكية شريرة لطهران ، بالطبع قادة الخليج و هم المعنيون بكذا تفكير استشرافي استراتيجي ليسوا في وارد التخطيط لمثل هكذا موقف مع أن ألف باء السياسة ينطق بأن التاريخ مليء بمثل هذه التحولات الدراماتيكية في السياسات الدولية و بالتالي فلا شيء مستحيل في عالم متغير و إزاء مصالح متضاربة ، أيضا ما نؤكده ليس ضربا للكف أو عملية تنجيم دأب عليها البعض في مفتتح كل سنة إدارية بل هو وعى بالتاريخ و استنتاج منطقي بعد أن عبر الرئيس الأمريكي في إحدى تصريحاته الأخيرة عن استعداده للتباحث مع إيران دون شروط .

بالطبع هناك حرب جدلية و دبلوماسية بين الحكومة الإيرانية و الإدارة الأمريكية لكن دقة المرحلة و وعى القيادة الإيرانية بما يدور حولها و بما تخطط إليه إسرائيل و دول الخليج يجعلها تفكر في كل المخارج السياسية و ربما العسكرية الممكنة و لعل هذه القيادة تضع نصب عينيها ما حصل من تحول عميق في السياسة الأمريكية تجاه كوريا الشمالية و جلوس الرئيس الأمريكي إلى جانب الرئيس الكوري في جلسات مفاوضات متكررة نزعت فتيل الأزمة التي كانت تجعل مثل هذا التقارب ضربا من المستحيل , هذا التفكير الدبلوماسي الجدي في العودة إلى طاولة الحوار هو المخرج الصحيح الذي ستجد الإدارة الأمريكية نفسها مجبرة إلى العودة إليه مكرهة تماما كما حصل مع كوريا الشمالية و على عكس ما يتصور البعض فان هذه العودة هي مصلحة أمريكية أولا و مصلحة صهيونية لان إسرائيل و منذ سقوط جيش ” الدفاع ” في حرب تموز 2006 لا تزال تعانى من تبعات تلك الهزيمة على كل المستويات و لم تعد قادرة إطلاقا على القيام ” بفسحتها ” العسكرية المدمرة لا في لبنان و لا في أية دولة أخرى مثل إيران , في هذا السياق و في ظل التحولات الاقتصادية الدولية لا تملك أمريكا أوراقا ضاغطة مؤثرة كثيرة ضد إيران خاصة بعدما استفادت طهران استفادة كبرى من تعرضها للعقوبات الاقتصادية الغربية لتصنع من الضعف قوة و تصبح دولة متقدمة نسبيا على أكثر من صعيد.

بين المأمول أمريكيا و صهيونيا و خليجيا و بين الممكن هناك هوة شاسعة و القدرة العسكرية لم تعد قادرة اليوم على خدمة الأهداف الأمريكية و لعل أكثر ما تقدر عليه هذه الإدارة و أدواتها في المنطقة هو إثارة بعض الزوابع و القلاقل السياسية في إيران على لسان معارضة موتورة بائسة باعت ذمتها لكل الشياطين و القيام ببعض التفجيرات المحدودة الأثر و استهداف بعض الأطر العلمية لا غير , في كل الأحوال و من وجهة نظري ما نسمعه حول التهديدات الأمريكية بنفض اليد من الاتفاق النووي الممضى بين الدول الغربية و إيران هي مجرد فرقعة إعلامية تتعمدها الإدارة الأمريكية فرضتها المواقف الإيرانية المعارضة لسياسة هذه الإدارة في أكثر من ملف حارق و خاصة في ملف سوريا و ملف القضية الفلسطينية و ملف العلاقات العراقية الإيرانية منذ سقوط نظام الرئيس الراحل صدام حسين , لذلك نقول أن دول الخليج تخطيء خطأ فادحا حينما تثق في الإدارة الصهيونية الأمريكية بكونها قادرة على ضرب القوة الإيرانية الصاعدة بل يخطئ من يضع بيضه في السلة الامبريالية اليوم و غدا لأن أمريكا لا ترى المنطقة إلا بعيون صهيونية, إن هذه الإدارة تختزل علاقتها بدول الخليج في عبارة الرئيس دونالد ترامب التي وصف فيها هذه الدول بالبقرة الحلوب و هو منطق أمريكي معبر يؤكد أنه كما ترى إسرائيل الفلسطيني الجيد إلا جثة هامدة فان هذه الإدارة الامبريالية لا ترى أنظمة الخليج إلا في صورة مجرد منفذ و ممول لسياستها المختزلة في ما يسمى بمشروع الفوضى الخلاقة الذي ينفذ منذ سقوط العراق بأيادي خليجية متآمرة .

لعل السؤال المنطقي و الجدي الذي يفرض نفسه اليوم , هو لماذا يصر عرب الخليج على الإبحار الدائم عكس التيار رغم كل عبارات و تصرفات الإذلال الأمريكية الصهيونية , إذا كانت كل أنظمة الخليج قد بادلت إسرائيل الزيارات و جالست قيادات العدو بل هناك من وقع معهم اتفاقات تعاون أمنية لحراسة القادة الخليجيين و فيهم من تباكى على جثمان رئيس الحكومة الصهيونية شمعون بيريز فلماذا كل هذا العداء البائس للجمهورية الإسلامية الإيرانية ؟ . ربما هناك من يثق بإسرائيل و لا يثق بإيران و ربما هناك من يسوق لفكرة جديدة تقول أن العدو لم يعد إسرائيل بل إيران و ربما هناك من يستشعر هبوب رياح التغيير فاضطر هربا للحماية الأمريكية و لكن من الثابت أن بقاء هذه العروش الآيلة للسقوط قد أصبح مشكوك فيه خاصة أن رياح التغيير آتية لا ريب فيها خصوصا بعدما حصل في السودان منذ ساعات , إن النظام السعودي يقود دول الخليج إلى السقوط و الخراب و هو من يتحمل مسئولية استغلال فزاعة ما يسمى بالخطر الشيعي لتحقيق مصالح ذاتية ضيقة و لعل تدخل النظام السعودي في إيران قد أصبح يمثل خطرا على المنطقة و لذلك تتزايد التحذيرات الإيرانية المطالبة بكف هذا النظام عن اللعب بالنار حتى لا يتم قطع تلك الأيادي المتآمرة العابثة بالأمن الإيراني , مع ذلك يبقى السؤال الملح : ماذا لو جلس دونالد ترامب مع حسن روحاني ؟ .

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى