ماذا قدمت الحكومات العراقية لشريحة الشباب.؟

لايمكن لأمة من الأمم على هذه الأرض أن تنهض أو تخطو خطوة واحدة في مجالات العلم والمعرفة وكل مجالات الحياة الإنسانية الحيوية بمعزل عن طاقات الشباب وقدراتهم العقلية والفكرية والجسمية. وهذه حقيقة ثابتة تقرها كل قواميس الدول ودساتيرها صغيرها وكبيرها. وأية دولة لاتهتم بشبابها ولا تضع الخطط الآنية والمستقبلية لاستثمار قدراتهم وإمكاناتهم الهائلة تبقى دولة ضعيفة منهكة متخلفة لاتستطيع أن تحتل مكانتها تحت الشمس وتصبح دولة ثابتة الأركان. والشباب هم العمود الفقري الذي تستند عليه هذه الأركان لأنهم إكسير الحياة ورمز التقدم والنهوض والتطور والدم المتجدد في شرايين الأمم ومصدر قوتها الحقيقية، وحصنها الحصين الذي يحفظ كيانها ويقيها من شر الأعداء وعواصف الزمن.

وهم مصابيح حاضرها ومستقبلها ولابد من النظر إليهم في مفهوم هذا الإطار ومن يغفل عن هذه الحقيقة من أصحاب القرار في أية دولة من الدول لايصلح لقيادتها لأنه يهدر طاقة هائلة لايمكن أن تعوضها طاقة أخرى. لذا نرى أن الشغل الشاغل للدول التي يقودها مسؤولون مدركون لأهمية دور الشباب في المجتمع هو وضع الخطط والدراسات لاستيعاب طاقاتهم الهائلة في برامجها ومصانعها ومراكز بحوثها وجامعاتها لأعوام طويلة.وحين يتخرجون من جامعاتهم يتم زجهم في الحياة العملية لتطوير دراساتهم النظرية بخبرات عملية مضافة بحيث تتوافق تلك الخطط مع طموحاتهم ورغباتهم التي يسعون إليها في إطار خدمة وطنهم وأمتهم في عصر يشهد تحولات هائلة تكتشف فيه البشرية آفاقا جديدة في مجالات العلم والتكنولوجيا لإدخالها في مختلف شؤون الحياة.

ولو رجعنا إلى الماضي لتذكرنا جيدا كيف كان النظام الصدامي الدكتاتوري الذي حكم العراق لثلث قرن من الزمن وعمل على عسكرة الشعب بالبطش ونشر الرعب كان المثل الأسوأ لأنظمة الحكم طيلة العهود الماضية ولم ينظر للشباب إلا بقدرتسخيرهم لمصالحه واستمراره في الحكم. وعلى هذا الأساس زج ذلك النظام المقبور أجيالا من الشباب في حروبه العبثية التي أشعلها والتي أوصلت العراق إلى شفير الهاوية إجتماعيا واقتصاديا وعلميا، وصادر كل أحلامهم وآمالهم وتطلعاتهم، وانتزع من أرواحهم روح الميل إلى البناء والولوج في عالم العلم والمعرفة والتقدم بعد أن سخر كل موارد الدولة لتكوين جيش ضخم وعشرات الأجهزة الأمنية القمعية وشراء الأسلحة من الشرق والغرب، ولم تجلب تلك الحروب المهلكة إلا الخراب والفواجع والفقر والدموع والتي مازال يتباهى بها أيتامه في الفضائيات.

لقد كانت مؤسسات التصنيع العسكري التي يشرف عليها صهر الطاغية المقبور العريف الأمي حسين كامل عبارة عن أماكن مغلقة تتكدس فيها أسلحة القتل والدمار المستوردة بمليارات الدولارات التي اشتراها من دول الشرق والغرب لبناء مجد شخصي زائف لرئيس النظام. وكانت تلك المؤسسات أماكن يهان ويذل فيها شباب العراق ويسمعون فيها أبشع الشتائم وأحيانا الجلد والضرب ووسائل التعذيب الأخرى. كما كانت الدولة العباسية تعامل الزنج في جنوب العراق. كل ذلك كان يحدث لإيهام الشعب بأن العراق قد وصل إلى ذروة التقدم العلمي ومن أوسع الأبواب في عهد القائد الضرورة.

لكن الواقع المر كان عكس ذلك تماما. وكشفت الأيام إن تلك الإدعاءات كانت وهما وكذبة كبرى روجها ذلك النظام القمعي وأجهزته الدموية لتغليف نفسه بهالة من الهيبة الزائفة في الوقت الذي كان فيه العراق يستورد السيارة والماكنة الزراعية والأدوات الكهربائية والملابس وعلب الكبريت وأقلام الرصاص وحتى أبرة الخياطة من الدول الأخرى. وسيق خريجوا كليات الطب والهندسة والعلوم إلى معسكرات التدريب وزجوا في تلك الحروب ليكونوا وقودا لها ويبقى الحاكم الفرد متسلطا على رقاب الشعب. وضاعت في أتون نيرانها الظالمة آمال الشباب وأحلامهم وتحولت أعداد كبيرة منهم إلى جثث هامدة تنوح عليهم أمهاتهم ويملأ الحزن والكمد قلوب آبائهم الذين بذلوا الغالي والنفيس لكي يروا أبناءهم وقد انخرطوا في خدمة وطنهم من خلال قدراتهم العلمية.

أما من بقي سالما من غير المعوقين جسديا وهم بعشرات الألوف فقد أنهكته متاعب الحروب وأهوالها نفسيا بعد بقائه في الخدمة العسكرية الإلزامية لسنين طويلة تجاوزت العشرين عاما. وبعد تسريحهم وجدوا أنفسهم مرميين على الرصيف. ولم يتركهم النظام يعيشون مأساتهم بل كان يزجهم قسرا في التنظيم الحزبي لتسميم أفكارهم وزرع الروح الطائفية والعنصرية المقيتة في نفوسهم وكان ذلك بالنسبة له غاية الغايات.

وقد تلت تلك الأحداث المأساوية أكثر من إثني عشر عاما من الحصار الذي فرضته أمريكا والغرب على الشعب العراقي لعزل العراق عن كل وسائل الحضارة والمدنية، وازدادت خلالها شراسة النظام البوليسية ولحق الضرر الكبير بكافة شرائح المجتمع العراقي وعلى رأسهم شريحة الشباب. وقضى ذلك الحصار الظالم على مليون إنسان نصفهم من الأطفال ودمرت بنية العراق التحتية تدميرا تاما.

واليوم وبعد أربعة عشر عاما من سقوط صنم الظلم والإستبداد من حق كل عراقي أن يسأل ماذا قدمت هذه الحكومات التي تلت سقوط الصنم للشباب الذين يعدون بالملايين.؟ والجواب لاشيئ يذكر على صعيد الواقع، ومازالت حقوقهم مهدورة ضائعة حيث يتخرج سنويا عشرات الآلاف منهم من مختلف الكليات والمعاهد ليجدوا أنفسهم ضائعين في شوارع العراق وأزقته يعانون من البطالة المكشوفة والمقنعة نتيجة غياب الخطط والدراسات. وفي أحسن الأحوال يصبح هذا الشاب الذي قضى نصف عمره في الدراسة والسعي سائق تكسي أو بائع متجول تطارده البلدية من مكان إلى مكان وكأنه دخيل على وطنه الذي أفنى عصارة شبابه من أجله.أما الزواج وتكوين أسرة فقد أصبح في خبر كان بالنسبة له ولا يدركه إلا ذو حظ عظيم.

وقد أدى ذلك إلى تغلغل روح الإحباط في نفوس الشباب نتيجة المستقبل المجهول الذي ينتظرهم .فعاشت الأجيال على هامش الحياة نتيجة الإهدار المتعمد لطاقاتها وقتل إبداعاتها في مهدها دون أن ترى النور،ولم تعمل هذه الحكومات يوما على تأليف لجنة علمية كفوءة لها القدرة على رعاية الموهوبين وإن وجدت فلا تعدو أن تكون حبرا على ورق. لكنها خصصت أموالا طائلة لصرفها على مشاريع فاشلة نخرها الفساد نخرا وضاعت الأموال دون أن تنتج شيء في ظل غياب المحاسبة. ففقدت شريحة الشباب الثقة بهذه الأنظمة الفاسدة الفاشلة التي تغول فيها نفوذ حيتان الفساد بشكل فاق كل التصورات.

ولو وضعت ثرواته بأيد أمينة مخلصة حريصة على مصلحة الشعب لأصبحت في الوطن قاعدة علمية متقدمة يشار إليها بالبنان. لكن وبكل أسف إحتكر رؤوس الحكم ثروات الشعب العراقي ومنحوا القسم الأكبر منها لأبنائهم وعوائلهم وأقربائهم وأحزابهم والطبقة الطفيلية من أعوانهم الأميين الذين يشنون حربا لاهوادة فيها على كل عقل نير وكفاءة مميزة خوفا من كشفهم وكشف فسادهم كما كان النظام الصدامي وأعوانه يفعلون .فلا صناعة ولا زراعة وتحول العراق إلى سوق رائجة لكل بضاعة فاسدة ،وصار النفط المصدر الأساسي للإقتصاد وأخذ البلد يتراجع على مر السنين إلى أن أدى إنهيار أسعاره إلى شبه إفلاس تعاني منه خزينة العراق.وأخذ ت الحكومة تمد يدها للبنك الدولي لتقترض منه لتسيير أمور الدولة.

ومن العجب العجاب أن تطل بعض رؤوس الحكم على شاشة فضائية الحكومة ليقولوا إن الدولة مصابة بالتخمة لكثرة الموظفين الفائضين عن الحاجة فيها. والأعجب من ذلك إن العديد منهم يرسلون أبناءهم إلى الجامعات الأوربية على نفقة الدولة ويبقون هناك حال تخرجهم!!!

ولو كان في الدولة قطاع خاص فعال لهان الأمر. ولكن لسان حال هؤلاء المسؤولين الإزدواجيي الشخصية يقول للشباب إذهبوا حيث شئتم فالدولة خرجتكم وهذا هو واجبها فقط وهو كلام خطير يؤدي إلى تعميق الإحباط في نفوس الشباب وربما انزلاق الكثير منهم في مسالك خطرة في الوقت الذي يشتد الصراع فيه بين أقطاب السياسة من أجل الحصول على المغانم، ويتغلغل الفساد في معظم مفاصل الدولة كالسرطان بعيدا عن أي مشروع لبناء دولة عصرية قوية.

ومن حقنا أن نتساءل اين سيجد الشاب فرصتهم ليحصلوا على ماتنتجه عقولهم ليحصلوا على لقمة عيش هانئة في وطنهم ؟ وكيف يتخلصون من هذا الوضع البائس ويتم التخفيف من البطالة التي ستجلب الكوارث تلو الكوارث لهذا الوطن.؟ ولا أبالغ إذا قلت أن بعض الشباب قد انخرطوا في عصابات الجريمة المنظمة والإرهاب والإنتماء إلى ميليشيات الأحزاب المتصارعة بدلا من أن يتحولوا إلى قوة إيجابية فاعلة لرفع شأن الوطن .

إن الملايين اليوم من شباب العراق ناقمون جدا على حكومتهم وعلى تصرفات السياسيين الذين أهملوهم تماما وقد هاجر الكثير من العقول إلى دول اجنبية وهم يعملون فيها في ظروف جيدة لاتتوفر في دولتهم ومنهم من هاجر إلى دول مجاورة أقل شأنا بكثير من إمكانات العراق المادية ليبحثواعن عمل.!

فيا أيها السياسيون المتنفذون كفاكم زرع شعور الغربة في نفوس الشباب داخل وطنهم نتيجة الحرمان الذي يعصف بهم والذي تراكم على كواهلهم لعقود طويلة وهم الشريحة الأكثر إحساسا بما يجري في وطنهم وأصبح واضحا لكل ذي بصر وبصيرة أن هناك جهات مشبوهة تعمل على جعل شباب العراق أداة لتنفيذ مآرب جهنمية مستغلة وضعهم المأساوي الحالي الذي يعيشونه في وطنهم لنسف هويتهم الوطنية وانتزاع روح الرجولة والشهامة والقيم الفاضلة من أعماقهم بإدخال المخدرات والمجلات الإباحية إلى داخل العراق لكي يسهل تغييبهم وقتل أحاسيسهم الإنسانية. وإذا تلوثت صفوة الحياة وهم الشباب فقد أصيبت الأمة في مقتل.

إن العراق يستطيع أن يستوعب شبابه في كافة مجالات الحياة لو كان هناك حرص من قبل المسؤولين على هذه الشريحة المهمة والحيوية من أبنائه بوضع الخطط والدراسات وإيجاد الحلول الناجعة لانتشالهم من واقعهم المزري.

وهو واجب أخلاقي ملقى على عاتق الحكومة العراقية الحالية والحكومات التي تتبعها. والشباب لايمكنهم السكوت إلى الأبد على ضياع حقوقهم بعد أن شبعوا أطنانا من الوعود طيلة عقود مضت ولم يتحقق منها شيء، والخطابات لا تغني ولا تسمن من جوع دون أن يتبعها عمل جدي ملموس لانتشال الشباب من الواقع المر الذي يعيشونه في العراق.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى