ماذا فعلت بهم .. بحضورك يا سيد…

وسط الضاحية ومن قلب أشهر مكان فيها، من مجمع سيد الشهداء، ينهي الحاج علي عباس تقديمه الشعري، العين على الشاشة بانتظار طلته، اليد مقبوضة والحناجر حاضرة لتستقبل صورته، تهتز الكاميرات، فأعين المصورين ما عادت تهتم بالتصوير، إنه سيد الخطابات بينهم مباشرة، دون شاشة تفصله عن أحبته، ولا كاميرا تنقل صورته، العين في العين، والأذان للصوت صاغية، يسمعهم سلامه، ويسمعونه هتافهم “لبيك يا نصرالله”.

يمتزج الهتاف ما بين “لبيك…” و”يا الله احفظ لنا نصرالله”، تتبعثر صفوف العناصر التي كانت تقدم العرض، لتنخرط في صفوف الجماهير و تشارك في الهتاف للسيد، تتنافس أصوات الحناجر، أيها سيصل إلى مسمع السيد أقوى؟ و تتسابق القبضات في الارتفاع، أيها ستلفت نظرة السيد؟ كل العيون شاخصة، عين تراقب من يحلو مرآه، وعين أخرى على المحيط تشارك طاقم الأمن، في حماية حبيب قلوبهم، حتى وان كان الأمن ممسوكاً والكل يعلم ويدرك، الا ان اللحظة استثناء، لا تترك للتفكير مكان، فصاحب الإطلالة أيضاً استثناء، إنه سيد الانتصارات الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله.

وضع من يراقب المشهد من منزله ليست بأفضل حال عن المشاركين في الحفل، فلو ان التكنولوجيا قد وصلت إلى مرحلة تجعل من الشاشة وسيلة عبور إلى مكان التصوير، لرأيت الناس تقفز عبر الشاشات لتشارك في ذاك المشهد، الأعين تراقب الشاشات، وسط التكبير والصلوات والدعاء لله بحماية السيد، وطبعاً الحس الأمني الذي يشتهر به اللبنانيون حاضر، فحين تكون العدسات موجهة على السيد يراقبونه و يهتفون له، وحين تتوجه نحو الجمهور، يتفحصون كل قبضة وكل حركة وسط الجماهير خوفاً من أي شائبة تعكر روعة المشهد، حتى نحن الذين يفترض ان نبدأ بنقل خبر حضور السيد مباشرة أمام الجمهور، أُصبنا بدهشة جعلتنا ندخل في صدمة المشهد لمدة تتجاوز الدقيقتين دون التحدث بأي كلمة في المكتب، ليقطع الصمت أحد الزملاء بكلمة تعبر عن حال لسان كل مشاهد، ويقول “ما تبلى هالطلة.. وقفت قلوبنا عليك يا سيد”.

العالم الافتراضي أيضاً، لم يسلم من موجة “الهستيريا” التي ضربت كل من تابع الحدث، لتترجم الدهشة تغريدات و”ستاتوسات” تفتقر إلى الحد الأدنى من التنسيق والتركيز، فصديقة تنشر على الفيسبوك “اللةةةةةةة يحميك” بالتاء المربوطة بدل الهاء، ما يدل على العجلة في النشر وعدم التركيز على الكلام، وآخر ينشر صلاة على النبي، وذاك يختصر المشهد كله بعبارة “أطل” دون ان يحدد من أو أين أو كيف، صفحات النكت والثقافة والفن، تحولت في لحظات إلى صفحات إخبارية تنقل الخبر، حتى أنا أنشر الخبر على صفحتي قبل نشره على موقعنا الإخباري، ويدخل الجميع في سباق الترحيب بالسيد والتعليق على خطابه، هذا يقتبس وذاك يفتخر، تلك تغازل، وهناك من يمازح فيتوجه للحاج علي عباس قائلاً “دايماً بتعمل فينا هالضرب… بتكون عارف انه رح يطلع مباشر وما بتخبرنا، وبتفاجئنا انت وعم تقول ها هو بينكم، تبقا خبرنا قبل بوقت”.

إنها ليست المرة الأولى التي يطل فيها السيد حسن نصرالله بين جمهوره، ليشاركهم مناسبة ما، ليست المرة الأولى التي يتحدى بها كل الأخطار التي تواجهه والتحذيرات التي توجه إليه، ولن تكون الأخيرة، فمن لم يحسب حساباً لفضاء مفتوح وأمن مستباح، ولم يخشى تهديدات بالاغتيال وصواريخ من هنا وهناك، لن تكون إطلالته الأخيرة مع جمهوره، سيبقى السيد يطل مباشرة بين أحبته، وستبقى ردة الفعل نفسها لن تتغير، سنخاف ونرتاب ونخشى، ثم ندعي ونصلي ونخشع، وسنبقى ما بقي نفتخر ونقتبس من كلامه عبراً ومن إطلالاته وخطاباته شرفاً.

حسين طليس

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى