كيف ينفِّذ الأسد تهديده بزلزال يضرب الشرق الأوسط؟

طوني عيسى-

مع ازدياد الضغط عليه، يدفع الأسد بمزيد من الأوراق على الطاولة

بعد عامين من القتال في سوريا، لم يعُد «الزلزال» الذي هدّد به الرئيس بشّار الأسد مجرد أسطورة من أساطير الخيال العلمي. إنه على الطريق. وبَعده، قد يظهر شرق أوسط آخر.

“سوريا هي خط التصدُّع، فلا تلعبوا بالأرض ولا تتدخلوا فيها لئلا يقع الزلزال. وإذا كانت الخطة تقسيمها، فالمنطقة كلها ستتقسَّم… وستكون أفغانستان أخرى، وأكثر من أفغانستان واحدة؟” هذا الكلام قاله الأسد في تشرين الأول 2011.

يومذاك كانت الحرب السورية في شهورها الأولى. وكانت إنطلاقة “الربيع العربي “توحي بأن سقوط الأسد مسألة أسابيع أو أشهر قليلة. وقلائل “قبضوا” كلام الأسد. “فلا شيء يملكه النظام السوري أكبر من ذلك الذي إمتلكه الرئيسان حسني مبارك وزين العابدين بن علي”.

ولكن، بعد عامين، تطلُّ ملامح “الزلزال” جدياً. والمفارقة أنها تظهر، مع أنّ الغرب لم يتدخّل. وعدم التدخّل ربما كان سبباً لنمو الاحتقان وارتفاع مخاطر الانفجار، وليس العكس.

بقيَ الأسد “مطمئناً” إلى عجز الغربيّين عن التدخل العسكري بسبب المعادلة الآتية: لن تغطي موسكو وبكين أيّ قرار لمجلس الأمن بالتدخل، مهما بلغت الضغوط والإغراءات. وفي المقابل، لن يتدخل الغربيّون خارج غطاء الشرعية الدولية، ولن يغامروا بتفجير حرب إقليمية أو حتى عالمية.

أدرَك الأسد أن سوريا هي “خط التصدُّع”، أي أنها ليست كمصر أو ليبيا أو أي دولة عربية أخرى.

وأيقَنَ أن بقاء نظامه هو مسألة حياة أو موت بالنسبة إلى محور إيران – موسكو، وأنّ سقوطه يُسقط المحور بكامله من طرطوس و”حزب الله” على المتوسط إلى إيران، مروراً ببغداد نوري المالكي. ومن هنا، دخول نخبة الخبراء العسكريين الإيرانيين في قيادة المعارك، والاستنفار المتواصل للأسطول الروسي المدعّم قبالة الساحل السوري.

بعد عامين من الحرب، عوارض المرض السوري تضرب دول الجوار تباعاً. و في الأيام الأخيرة، برزت احتقانات نوعية في هذه الدول. وهذا مؤشّر إلى دخول النزاع السوري مرحلة شديدة الحساسية، بل مفصلية، استَدعت من الأسد وحلفائه استعمال أوراقهم بالكامل.

ما هي علامات “الزلزال” الذي يهدّد به الأسد، لإجبار المجتمع العربي والدولي على عقد صفقة جديدة معه؟

إنها أولاً في الداخل السوري: إرهاب سلفي مرتبط بـ”القاعدة” ويثير الهواجس الغربية النائمة. ولطالما لعبَ النظام هذه الورقة منذ عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد.

وهي تصبح أكثر خطورة مع احتمال وقوع أسلحة غير تقليدية في أيدي المجموعات الإرهابية. وفي الموازاة، يستثمر الأسد مخاوف الأردن والسعودية وشقيقاتها الخليجيات، باستثناء قطر، من “الإخوان المسلمين”. وواضح ازدياد تمايز هذه الدول في مقاربتها الملف السوري وما يخلّفه من تصدّع المعارضة السورية.

ويلعب الأسد ورقة استقرار لبنان: فراغ دستوري شامل واحتقان سياسي وطائفي ومذهبي، وحرب مذهبية لبنانية على الأرض السورية… قد تنتقل كلياً أو جزئياً إلى لبنان. وكذلك، يلعب الأسد ورقة الاستقرار الهشّ للنظام في الأردن. وقد يكفي إغراق لبنان والأردن بملايين اللاجئين السوريين والفلسطينيين لإنضاج السيناريو الكارثي.

وأيضاً، بدأ العراق منذ أيام يدخل أجواء غير مسبوقة من التشنج والعنف الدموي بين “نظام” نوري المالكي والمناطق ذات الثقل السنّي كمحافظة صلاح الدين، بعد معركة الحويجة. ويرتبط الحدث العراقي مباشرة بملف سوريا، حيث يخوض المالكي حرباً استباقية لتدعيم سلطته ودعم حليفه السوري.

ومع تركيا، سيحاول النظام أن يلعب ورقة الاستقرار الديموغرافي من خلال البقعة الكردية الحدودية وعرب الإسكندرون (هاتاي). وفيما سارعت أنقرة إلى عقد صفقة احتياطية مع سجينها القديم، رئيس حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان، لقطع الطريق على استثمار الورقة الكردية، فإن قوى كردية أخرى تتعاطف مع الأسد.

أما العرب الذين يشكلون ثلث الإسكندرون، وبينهم علويون متعاطفون مع الأسد، فتدعمهم قوى تركية معارضة.ومع ازدياد الضغط عليه، يدفع الأسد بمزيد من الأوراق على الطاولة. وهو يقترب تدريجاً من إثبات صوابية تهديده بالزلزال وأفغانستان والأرض المحروقة.

وفي عالم المصالح، قد يتبيّن أن هناك قوى إقليمية أو دولية مستفيدة من هذا “الزلزال” وتشجع عليه، أو تتفرّج ولا تتدخل لحسم النزاع، ولو دام سنوات طويلة وأدى إلى نهر دماء.

عندئذٍ، ووفقاً للمقولة المنسوبة إلى وزير الخارجية الأميركية السابق هنري كيسينجر عن اللبنانيين، فإن أبناء الشرق الأوسط “سينضجون بدمائهم”، وسيتلاشون جميعاً. وسيكون الذين استمروا منهم على قيد الحياة جاهزين لتلبية أيّ شيء يُطلب منهم. والأرجح، هذا هو المطلوب…

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى