“ضيعة ضايعة…علامة فارقة”

منتجب علي سلامي
منتجب علي سلامي

مسلسل( ضيعة ضايعة) بجزأيه عمل فريد مميّز بكلّ المقاييس و أقلّ ما يمكن وصفه بالسهل الممتنع، فقد تمكّنت حلقاته من الولوج بعمق إلى قلوب الصغار والكبار المثقفين والمتعلّمين وغيرهم من سوريين وغير سوريين والدليل الواضح على ذلك هو تسابق الفضائيّات على عرضه أكثر من مرّة وفي أوقات مميّزة لكسب الخضمّ من المتابعين وتسويق الإعلانات وإشهار المحطّات الجديدة.

لقد تابعْتُ جميع حلقاته بشغف وعشق وابتسامة ودمعة لعشرات المرّات و ما زلت أرغب بإعادة المتابعة لمرّات ومرّات، وفي كلّ إعادة أكتشف جمالاً جديداً ونكهةً مختلفةً، وأعتقد بأنّ هذا العمل المتفوّق في كلّ جوانبه يحتاج إلى الكثير من الصفحات لإعطائه بعضاً ممّا يستحقّه، فاختيار المكان الطبيعيّ الساحر الذي يماثل ما يُحكى عن الجنّة من أطواد ترتدي سفوحها أجمل أنواع الشجر وأضخم الصخور التي تتمسّك بالقمم وقد نحتها الدهر ليحيلها معرضاً للمتفرّجين المذهولين بروعتها وهي تطلّ على شاطئ سكنه الجمال ولوّن بحره بزرقة أبهى من كلّ ألوان البحار وكأنّه يغازل القمم التي شمخت بهاماتها إلى العلياء أو كأنّه يغار من زرقة الفضاء الذي راح يقبّل وجنات هذه القمم المدلّلة بتيجانها المكحّلة بالخضرة وكلّ ألوان قوس قزح، والاختيار الموفّق لتلك البيوت القديمة المعتّقة أصالةً، فمن جنباتها تفوح رائحة الطيبة والبساطة والريف والكرم والصدق والعفويّة ،وأعتقد بأنّ هذه المنازل الحجريّة المتواضعة كانت ورقةً رابحة وساحرة في يد مخرج العمل المبدع الذي أعاد الروح لها لتنطق في حلقاته سحراً اقتحم الأفئدة والعيون وأرخى بظلاله على كلّ المشاهد التي التقطها مصوّرون بارعون ذوّاقون استطاعوا بحداثة عدساتهم أن يحدّثوا نوافذ تلك البيوت وأبوابها العتيقة كما استطاعوا أن يجعلوا جدرانها تبوح بالحنين والأصالة بأفواه صمتها وقدمها، ومنذ بدأت عروض حلقات هذا المسلسل المميّز راح السائحون والمصطافون والرّحالة ومحبّو السفر يسارعون ليصلوا إلى تلك القرية سعيدة الحظّ التي احتضنت ذلك العمل ويتباهوا بالتقاط الصور عند بيت جودي أبو خميس أو بيت أسعد خشروف أو بيت المختار البيسة أو دكان صالح أو بيت سليم سلنكو أو مخفر القرية وهو يتربّع منتصباً في ساحةٍ يغازلها البحر.

وهذا ما جعل سكّان هذه البيوت الحقيقين يرفعون بأنوفهم إلى عنان السماء متفاخرين بقصورهم الجديدة التي راحت تبيض لهم ربحاً وفيراً لم يكونوا يحلمون بجزء منه في ذلك المكان المنسيّ النائي عن المدينة، وكم كان المخرج موفّقاً في اختيار كلّ شخصيات عمله فكلّ شخصيّة حصلت على دور البطولة و لا يمكن ملاحظة تفوّق ممثّل على آخر وكأنّهم نسيج واحد مترابط فجميعهم أبطال محبوبون، كما كان موفّقاً في انتقاء اللباس واللهجة وحتّى زمن العمل في الصيف في الجزء الأوّل والشتاء في الجزء الثاني ليعبّر عن المصداقيّة والواقعيّة.

وكم وفّق مؤلّف العمل في قدرته على تركيب قصص وحوادث وطرائف أجزاؤها جميعاً من قلب الواقع العربيّ وخاصّة السوريّ فيقنعنا بما يطرح فيضحكنا ويبكينا لأنّه وضع يده على جراحاتنا واستطاع تجسيد إحساسه بمرارة الواقع من خلال إبداعاته في نقل ذلك إلى حلقات تلفزيونيّة.

وكم كان المخرج موفّقاً في اختياره للجرّار(التراكتور)والدراجة الآليّة المعطّلة(الموتور) لدعم الواقعيّة وتوجيه النقد الذكيّ العميق بطريقة تشبه العفويّة…..حتّى أنّ الباذنجان تزايد الطلب عليه من أجل المكدوس في سوريتنا بعد أن سلّط المخرج الضوء عليه بطريقة لم يكن يحلم بأن يصل نجاحها إلى ما وصلت عليه، وبذر ميّال الشمس أيضاً الذي بالغ المخرج في إطعامه لبديعة زوجة أسعد كان ناجحاً في إضفاء اللمسة الواقعيّة الريفيّة يرافقها عنصر الفكاهة الدراميّة، والمشط الذي كان يشهره جودي من أجل شعره الفاحم الملتمع من رطوبة البحر نال ما نال من إعجاب المتفرّجين وضحكاتهم القلبيّة،  وأبو شملة المهرّب المشهور الخارج عن قوانين الدولة والذي يعتبر نفسه مدافعاً عن المستضعفين، ورئيس المخفر أبو نادر الطيّب المسكين الفقير، وحسّان الجنديّ الأوّل في مخفر القرية والتهامه اليوميّ للبيض وهو المادّة الغذائيّة الوحيدة التي هي في متناول اليد، وشروال المختار الحقيقيّ الذي يعيدنا إلى الأجداد وختمه الدائريّ الذي هو مؤتمن عليه….وتسليط الضوء على قريتين متجاورتين الفوقا و التحتا وخروج إحداها عن قوانين الدولة، وتهريب الآثار وسرقتها، ومشاكل توزيع المازوت على الفقراء، وأشياء كثيرة وكثيرة كلّها كانت قادرة أن تخلق عملاً لم تشهد الدراما العربيّة أروع وأشهر شعبيّة منه إنّه مسلسل(ضيعة ضايعة) السوريّ بامتياز أرضاً وممثلين وممثلات ومخرج ومؤلّف ومنتج وفنّيين.

تحيّة احترام لكلّ قطرة جهد بُذلت في هذا العمل الذي لاشكّ فيه بأنّه إنجاز دراميّ سوريّ بارز ومميّز أضاف الكثير من النجاح والشهرة.

بواسطة
منتجب علي سلامي
الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى