كتب منتجب علي سلامي | ” النرجس والطفل “

حمل شتلة النرجس وقد التفّت أصابعه الملوّنة بالبراءة حولها يحرسها من نسمات تداعبُ جسده الرقيق، يمشي بحذر وكأنّه يتهيأ للقبض على فراشة، فعشيقته تنام بين يديه و هو يحرص على عدم إيقاظها وهو يعبر دربا قصيراً موشّى بالحصى بقدمين قلقتين.

وبعد وصوله وسط الحقل انحنى برفقٍ ليضع الشتلة بجانب حفرةٍ صغيرة وكأنّه أمٌّ تركع لتضع رضيعها قبيل نومه في السرير، أو كأنّه عابدٌ زاهدٌ يسجد خشوعاً، وبعد أن أتمّ إزالة حفنات التراب من تلك الحفرة بأنامله التي خطّ عليها اللون البني كلماته المبعثرة، أيقظ محبوبته المدلّلة ليسقيها جرعات من ماء بعد أن جعل التراب يحتضنها.

غادرها وهو يبالغ في الالتفات متأمّلاً إيّاها كرسّامٍ يدمن التحديق بلوحته التي عصر فيها خياله ونسج ألوانها بدماء شرايينه، كنت أراقبه بعد ذلك فكان يبالغ كعادته في سقايتها والتّمعن في النظر إليها من النافذة والحديث المسهب عن روعتها لي ولأخويه ولمن يجالسه.

وفي صباح يوم شاحب سمعنا أصواتاً لبنادق صيد تطلق موتها لعصافير كانت تمرح مطمئنةً بجانب الدار، ومن خلال تلك الأصوات تسمع قهقهات الصيادين المتفاخرين بمهاراتهم و رجولاتهم في شنق العصافير المضطهدة المسجونة في خيالاتهم السقيمة، وفي ضحى ذلك اليوم لن أنسى وجنات ولدي الصغير وقد انسابت عليها عبرات الألم والغضب الطفوليّ، عندما صُدم بموت عشيقته التي تحوّلت إلى جثّةٍ مشوّهة، عندما حمل إليها كأسه الحنون ليرويها كما العادة، فقد داستها أقدام الصيّادين الميامين الذين يحدّقون في السماء وقد افترسوا براءته الراقدة في حقله الجميل.

منتجب علي سلامي

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى