كتبت ميادة سفر | الحوار .. الملاذ الأخير

تميزت المنطقة التي عرفت قديماً ببلاد الرافدين وبلاد الشام (العراق وسوريا اليوم)، بتنوع بشري أنتج تنوعاً حضارياً وثقافياً وفكرياً، فكانت منارة حضارات لم تنطفئ، وتجمعاً بشرياً تعددت فيه الهويات وتنوعت، لكنها لم تطغى على هويته الإنسانية الجامعة بين مكوناته.

ومع تعاقب وتغير النظم السياسية والاجتماعية وتبدلها عبر الزمن، بقيت الهويات الفرعية حاضرة مشكّلة ذلك الفسيفساء الذي وسم المجتمعات التي نشأت فيها، ولم تكن سبباً في تقوقع أفرادها أو انكفائهم على ذاتهم، ولم تكن الفروقات اللغوية والاجتماعية والعادات والتقاليد المختلفة إلا عاملاً في إغناء الثقافة العامة، وإضافة أخرى لاكتمال الصورة الحضارية نحو مزيد من الانفتاح فيما بينها.

ولكن طالما اتسمت دولنا بهذا المشهد من التنوع والتعدد والقدرة على العيش والاستمرار طيلة تاريخها، لماذا شبتّ نيران الخلافات والأحقاد، فغمرت الأرض بالدماء، وباتت كل فئة تتمترس خلف انتمائها الطائفي أو الاثني أو القبلي أو العشائري؟، الأمر الذي سيفقد هذا التنوع كثيراً من مقوماته وخصائصه، ويسهم في تمزيق الوحدة والتآلف الذين قامت عليهما هذي البلاد.

بعد كل تلك السنوات من الحروب المتواصلة على أرض البلد الواحد، بات جلياً أن القوة والسلاح لا يمكنها حسم النزاعات وإرساء الأمن والسلم المجتمعي والإقليمي، فكان الحوار هو الملاذ الأكثر أمناً لإيجاد حلول ونقاط التقاء بين الفرقاء، وهو جسر العبور الذي يوصل بين أمال وأحلام كافة أطياف الشعب، ونقطة إنطلاق لبناء شعب متسامح محصن ضد أمراض الطائفية والقومية والقبلية، لذلك بات ضرورياً تعزيز ثقافة الحوار وقبول الرأي الآخر في مجتمعاتنا، وأنَّ الوطن يتسع للجميع، على اختلاف آرائهم وأفكارهم ومعتقداتهم، وأنَّ هذا الاختلاف أمر صحي بل وضروري، لأنَّ تعدد الأفكار والآراء يولد النقاش والحوار الذي لابدّ أن يفضي إلى ما هو أفضل.

في سوريا والعراق ولبنان تنوع كبير من الهويات والطوائف والقوميات، الأمر الذي يشكل أرضاً خصبةً لإنتاج ثقافات متنوعة تجتمع ضمن اطار المواطنة مثل باقي الدول المتحضرة، ويمكنه عكس صورة مجتمعية ناصعة لمكوناته، لأن بناء مجتمع قادر على الانفتاح والارتقاء، لن يتم ما لم نفتح بوابات حوار بنّاء يحترم الخصوصية ويمجد العمل الجماعي، دون السعي لابتلاع الهويات الفرعية أو تهميشها.

علينا أن نعي قيمة هذا التنوع الموجود في مجتمعاتنا منذ تكونها، وأن نحترم الآخر المختلف، لنتمكن من العيش معاً الأمر الذي سيمنحنا أفقاً أوسع في روية المستقبل، وقدرة أكبر على التحرك، وبالتالي الاسهام في البناء وليس الهدم.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى