قنبلة ايران الاقتصادية…

أسدلت لوزان بالأمس، الستار على آخر مشهد في المفاوضات النووية بين ايران والغرب. رحلة طويلة من التفاوض، تكاد تكون الأطول في التاريخ الحديث. ارتاح المفاوضون، وارتاح معهم العديد من الشعوب المرتبطة بهذا التفاوض الطويل والمعقد. وبطبيعة الحال، ستخفت وتيرة الحديث عنه شيئاً فشيئاً، وسيبدأ الحديث عن مرحلة ما بعد هذا الإتفاق، مرحلة جني الأرباح للمستفيدين، وتحديد الخسائر للمتضررين، وما بين المرحلتين، إعادة ترتيب الأوراق على قياس الواقع الجديد.

أهم ما في هذا الواقع، خلاف ما يعتقد الكثيرون، هو الجانب الإقتصادي ثم يأتي من بعده العسكري والسياسي ليكون في خدمته وليس العكس. فالطفرة السياسية أو العسكرية المتوقعة كنتيجة لحصول ايران على عضوية النادي النووي لن تكون، كما توقع البعض، مدخلاً للسيطرة على القرار السياسي لـ”شرق اوسط ما بعد المفاوضات”، إيران اليوم امام استحقاق كبير، والانفتاح القادم على العالم سيضعها امام تحديات جديدة داخلية وخارجية.

في الداخل، عليها أن تعيد صياغة نظمها الإقتصادية والدستورية والقانونية، كي تتلاءم مع متطلبات المرحلة الجديدة. إذ إن ما سبق من نظم وتشريعات لسياسة “اقتصاد الحصار”، لن يعود ملائماً لسياسة الانفتاح، والمخططات التطويرية من بنى تحتية وهيكليات ادارية اقتصادية، التي كانت تحاكي المقدرات الحالية، لن تتطابق مع “الانفجار” الإقتصادي القادم، مما سيرتب على الداخل الايراني ورشة عمل كبرى، اقتصادية وسياسية تحاكي هذا المتغير وتتكيف معه وتستطيع ان تصونه ايضاً، لما يترتب على الانفتاح من مخاطر “عولمية”، قد تؤثر على الهوية الخاصة لايران ونظامها الاجتماعي والاقتصادي.

اما خارجياً، فالتحدي الذي ينتظر ايران سيشبه التحدي الذي واجهته الصين في خمسينيات القرن الماضي، عقب انفتاحها على العالم الرأسمالي ومحاولة الحفاظ على هويتها الإقتصادية الشيوعية، وتحديات المواءمة بينهما بالإضافة إلى ضرورة “مصادقة” العالم حولها وتجنب التماس العسكري أو السياسي، مع أي دولة قد يسبب أضراراً بقدراتها التصديرية، لأنها دولة اقتصاد تجاري، وليست دولة اقتصاد عسكري كما هو حال الولايات المتحدة.

عطفاً على ما سبق، فإنّ الهوية الإقتصادية الجديدة لإيران، ستفرض عليها غزو أسواق العالم، بدءاً من محيطها الشرق أوسطي القريب، مروراً بعمقها الأوراسي، وصولاً الى القارة السمراء. وهذا يؤكد ان ايران المستقبل ستكون أكثر براغماتيةً من ايران “المواجهة”، والساحات، واوراق الضغط الاقليمي المبعثرة، وهذا سيرتب عليها أيضاً، إعادة ترتيب أوراقها في المنطقة، ومحاولة مخاطبة الجوار وما أبعد من الجوار، بلغة الشراكة والتكاتف والإنفتاح والتعاون على ازالة الهواجس والمخاوف، والمشاركة في محاربة الإرهاب، ودرء الأخطار ومعالجة الملفات الخلافية وتسويتها.

أما الجانب الآخر من مرحلة ما بعد المفاوضات، فيتعلق بالدول التي ستتعامل مع إيران وبالسياسة التي ستتبعها تلك الدول معها، بعد مرحلة توقيع الإتفاق النهائي في حزيران. كل المؤشرات تدل على ان غالبية الدول المتناكفة مع ايران، ستقفز فوق قناعاتها السابقة، برفض الإتفاق بعد ان يصبح واقعاً. وستبدأ بتوجيه قناعاتها السياسية، من منطلق مصالحها الاقتصادية، والحصة التي يمكن أن تأخذها من هذا السوق الجديد، سوق الجمهورية الايرانية. أوروبا التي تعاني من ركود اقتصادي، ستهرول بشركاتها العملاقة للإستثمار في إيران، وشركات الطيران المدني أو العسكري ستسارع لتجديد أسطول ايران القديم، بالاضافة الى مصانع السيارات والحافلات والتكنولوجيا وغيرها. ولعل مبلغ الـ120 مليار دولار الموجود في البنوك الغربية لصالح إيران، قد يعود الى تلك البنوك فوراً، حينما تستثمره ايران في عمليتها التطويرية القادمة. أما روسيا والصين، فستطلقان العنان لشركات البتروكيميائيات والنفط والتطوير العسكري، لكي تستثمر في هذا السوق النهم والمتعطش للتطوير والتحديث.

اما بالنسبة للدول المتضررة من هذا الاتفاق، وأهمها اقتصادياً تركيا وفرنسا، وسياسياً مصر والسعودية، فعليها أن تسارع الى تعديل مقارباتها للعلاقة مع ايران الجديدة، لكي لا تفوّت عليها فرصة حجز مقعد لها في القطار الاقتصادي الايراني السريع.

تركيا التي استفادت من العقوبات على ايران وعززت قيمة تبادلها التجاري معها، بحكم الجغرافيا وحاجة ايران الى ما يقارب الثلاثين مليار دولار سنوياً، ستواجه تراجعاً في ميزان التبادل التجاري مع ايران بعدما انتفت تلك الحاجة، وستكون امام خيار واحد لا ثاني له، اما ركوب القطار ومهادنة ايران في الملفات الخلافية، وعلى رأسها الموضوع السوري، وإما المكابرة والتعنت والخروج من هذا السوق المهم. اما بالنسبة لفرنسا، التي تتربع على عرش تجارة الادوية النووية، فستواجه منافساً جديداً وخطيراً في السوق، وهذا أيضاً يرتب عليها تعويض تلك الخسائر المرتقبة، بتعزيز العلاقة التجارية والصناعية مع ايران، لا سيما في مجال صناعة السفن الكبيرة، العسكرية منها والمدنية، ومحاولة إعادة تأهيل اسطول ايران الجوي المدني، والمشاركة في تطوير الطائرات الحربية، لما تملكه فرنسا من خبرات في تصنيع الميراج والفانتوم.

اما بالنسبة للدول العربية، وهنا الطامة الكبرى، فإنّ المرحلة الجديدة تتطلب مقاربة عربية مغايرة لتلك المتبعة حالياً، وهذا ليس بالأمر اليسير، في ظل ما نشهده من تعنت سعودي ومكابرة وغياب للعقلانية. وعلى أمل أن يخرج المجتمعون من قمة كامب دافيد بعقلية جديدة، يبقى الرهان على تغير بالموقف العربي تجاه طهران، رهاناً صعباً، ولكن إيران ستضع وراءها كل الخلافات مع العرب، وستسير بطريق آخر نحو العالمية، ومن يعزز علاقته معها، خيراً يرى.

ومن يصر على المواجهة والاحتراب، لن يحصد في ساحاته الا الدمار وتبديد الثروات على المؤامرات التي لا طائل منها، فإيران أثبتت للعالم انها لا ترغب ان تكون دولة نووية عسكرية، بل دولة نووية اقتصادية، متطورة وفاعلة، وتستطيع ان تنهض بالمنطقة كلها ان لحقوا بركبها، أما القنبلة الحقيقية التي عليهم ان يخافوا منها فهي القنبلة الاقتصادية القادمة لا محالة، فهل سيكونون جزءاً من مكوناتها ووقودهاً وتخصيبها، ام سيبقون في طغيانهم يعمهون؟

حسن غندور | سلاب نيوز

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى