قضية فلسطين لم تعد عربية , وهذا افضل!

بلال الحكيم | خاص موقع جنوب لبنان

من المفارقات العجيبة والمفيدة ايضا , ان لا تعود القضية الفلسطينية قضية قومية تخص العرب وحدهم , وان تتحول بدلا من ذلك الى قضية انسانية يشترك في التعاطف لاجلها كل من يتملك مقومات الانسان السليم والسوي في انحاء العالم بغض النظر عن دينه او عرقه او قارته .

تمسك العرب بالقضية منذ البداية ومن ثم عدم المقدرة على الانتصار لها او – على الاقل – تقديمها للرأي العام الدولي باعتبارها قضية عادلة تتعدى حدود الاثنيات او الاعراق او المناطق , جعل منها قضية مشوهة وغير واضحة المعالم بالنسبة للشعوب الغربية خصوصا , لا سيما وان الكيان الصهيوني قد تمكن من استغلال هذا العنصر لصالحه من خلال التسويق بوقوفه وحيدا امام تكالب و ( ارهاب ) العرب عليه ومحاصرته .

الوضع الان اختلف , والعرب خذلوا القضية فعلا وصراحة :

التفاصيل التاريخية كثيرة ويصعب ايرادها مجتمعة , ولكن الخذلان العربي اليوم ومن خلال موقف التراخي والتآمر تجاه العدوان على غزة قد تجسد في ابرز الملامح واوضحها – بالطبع سيبقى لنا ان نذكر بعض الحركات المقاومة هنا وهناك والتي صدقت في تبنيها ومناصرتها للقضية – ولكن الغالب الاعم يؤكد بان العرب هذه المرة قد بالغوا في خيانتهم حد الوقاحة وان البعض منهم قد عبر في وسائل الاعلام وبشكل وقح وفج , بوقوفه الى جانب الكيان الصهيوني وضد المقاومين في غزة وان المقاومين وحدهم من يتحمل دماء الاطفال والنساء التي تسفك .

موقف مصر السيسي , موقف مثير للعجب بل والتقزز , وهو مثال لهذا التآمر الصريح , فان يحدث فوق كل معاناة اهل غزة وتشردهم والعدد المهول للجرحى والشهداء , ان تقوم السلطات المصرية باغلاق معبر رفح وتأخير دخول المساعدات بل والتآمر على سلاح المقاومة !

فان ذلك يعد سابقة مؤلمة في حال العرب وان فيها خيبه امل كبيرة لكل من اعتبر يوما ان السيسي سيكون تكرار للرئيس الراحل جمال عبد الناصر كما كان حالي وحال كثير من الشباب الحالمين .

حتى وان قيل في سبيل تبرير هذا التخاذل بان حماس تستحق ما يجري لها وان هذا حصيلة اعمالها الداعمة لجماعة الاخوان المسلمين في كل من مصر وسوريا , هذا تبرير مشوه ولا يقل قبحا وسوءا عن موقف الكيان الصهيوني نفسه عندما يبحث عن مبررات لقتله اطفال ومدنيين لا حول ولا قوة لهم سوى تواجدهم الطبيعي على هذه الارض المنكوبة , فقضية فلسطين بلا شك اكبر من حماس ومن اي فصيل آخر , وانها قضية انسانية واخلاقية ودينية وقيمية قبل ان تكون قضية سياسية او خاضعه لمناكفات جزئية ولحظية .

العالم يعبر عن موقفه الانساني :

في مقابل هذه الانتكاسه العربية المخزية , نجد تعاطف غربي قل نظيره متعديا باشواط كبيرة حجم التعاطف العربي , سواءا كان شعبي ام رسمي !

كما هو الحال مع دول امريكا الاتينية مثل بوليفيا ( التي اعلنت اسرائيل دولة ارهابية وانه يجب تقديمها الى محكمة الجنايات الدولية ) ومثلها مثل الاكوادور , و كولبيا , بيرو, التشيلي والبرازيل والسالفادور والإكوادور. وهی الدول التي تصدرت العالم في حجم التنديد ضد الكيان الصهيوني وحجم التعاطف مع اطفال وضحايا غزة الابرياء .

هو حال ايضا عشرات المدن الاوربية والامريكية التي خرج فيها المواطنون العاديون الغير مسيسين او ممن يعاني من مشاكل عنصرية معينة , المظاهرات الاحتجاجية في مدن اروبا والتي تحدت بعضها الحضر الذي فرض عليها وخرجت باعداد كبيرة ومعبرة عن حجم المأساة الدائرة في قطاع غزة المحاصر والمقتول .

كل هذا يؤكد لنا ان قضية فلسطين عندمها احتكرها العرب تركها العالم الغربي قصدا او بدون قصد , وعندما تركها العرب صراحة احتظنها الانسان في كل مكان من العالم , وكقضية انسانية بحتة , ومتجردة من الصورة النمطية للعرب لدى العالم بصفته الفوضوية او البدوية ,خاصة وان العرب قد اثبتوا فشلهم المتكرر في الذود عنها او في تقديم الدعم العسكري والسياسي والاعلامي الامثل لها .

الذي اختلف اليوم هو ان صور اطفال غزة المقطعة اوصالهم والمهشمة جماجمهم قد وصلت الى الانسان الغربي البسيط والعادي والذي لا يزال مؤمن بحقوق الانسان وبحقوق الطفولة اكثر من ايمانه بالساسة ومبرراتهم الخادعة , وحدث ان وصلت تلك الصور من قبل شباب وناشطين عبر وسائل التواصل الاجتماعية المختلفة وعبر اعلاميون احرار قرروا هذه المرة , ولاول مرة , ان يدخلوا غزة لنقل الخبر مباشرة وبدون اية حواجز او جسور , ولذلك ظهرت للانسان الغربي وغير الغربي حقيقة هذا الكيان الدموي والمتوحش والمتعدي لكل قيم الانسان والاخلاق والمعايير الدولية حتى تلك المعايير الخاصة بالحروب من قبيل تكافئ السلاح او عايير وقوانيين تخص المدنيين واماكن توادهم وسكناهم وما الى ذلك من المعايير الثابتة ولكن المخترقة من قبل الكيان الصهيوني المتجرد من صفات الادمية الطبيعية .

خطة الهاء الشعوب العربية :

السيد حسن نصر الله , في خطابه الاخير , وفي يوم القدس العالمي , اشار الى نقطة تغافلها اغلبنا في البداية , ولكنها لاحقا اصبحت اكثر وضوحا وواقعية , قال في معرض حديثه عن مناهج الحرب النفسية ضد القضية الفلسطينة ان قال ( العمل على اختراع قضايا مركزية لكل بلد ولكل شعب ولكل قطر ولكل دولة في عالمنا العربي والإسلامي لتغيب مركزية فلسطين ومركزية القدس وفرض اهتمامات وأولويات….

في اليمن على سبيل المثال خرجت مئات الالاف من الجماهير المتضامنة والداعمة لغزة , وبعد ايام معدودة اصدرت الحكومه اليمنية قرار الجرعة برفع المشتقات النفطية 80 % وبشكل مفاجئ وبدون سابق انذار , فشعر المواطن اليمني بصدمة كبيره انسته فلسطين بل انسته امه واولاده لهول الفاجعه التي ستحل بمعيشته وحاله .

ليبيا مشغولة ايضا بمشاكل فجائية وغير مبررة , العراق مشغول بمشاكل عويصه تهدد الامن والسلم الاجتماعي لسنيين طويلة اخرى , سوريا والتآمر الدولي عليها والذي لايزال قائما وبقوة .

هذا ليس اعتباط , هذه قضايا واحداث مخطط لها وهي احداث كما تلاحظون طارئة وليس لها مقدمات تذكر او مبررات , غرضها الوحيد او احداث فوضى وتشتييت الراي العام العربي , لغرض تقسيمه واحتلاله , والسيطره عليه , تماما كما يراد ان يحصل لغزة وللقضية الفلسطينية عموما , وان يكون الهدف محوها من اولويات المواطن العربي والمسلم .

* كاتب يمني
[email protected]

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى