قضية المخطوفين اللبنانيين في أعزاز …جدياً على نار حامية

علي رسلان

كانت أم ابراهيم زوجة علي ترمس اللبناني المختطف في منطقة اعزاز على الحدود التركية تضرب كفاً بكف، ليلة عيد الفطر السعيد، رب العائلة الغائب قسراً عن بيته منذ نحو خمسة عشر شهراً، لم يمضِ شهر رمضان المبارك للسنة الثانية على التوالي مع زوجته وابنائه، ولن يُحضر الحلوى أو يزور بلدته طلوسة الجنوبية في عيد الفطر أيضاً لهذا العام.

أم ابراهيم ومعها عوائل ثمانية زوار لبنانيين مختطفين آخرين، يعيشون على أمل عودة أقاربهم قريباً، الوعود الرسمية هي هي لم تتغير منذ سنة وثلاثة أشهر، وبين الحين والآخر يخرج الرسميون مبشرين بأجواء ايجابية مع كل تحرك للأهالي ضد المصالح التركية.. يعلق الأهالي اعتصاماتهم بانتظار الايجابيات الموعودة، وبعد كل تعليق عود على بدء، تظاهرات، اعتصامات وتصعيد، فإيجابيات، تعليق وانتظار، حتى طفح الكيل.

صبيحة العيد استيقظت أم ابراهيم على خبر خطف كابتن طيار يدعى مراد أكبينار ومساعده مراد آغا تابعَين لشركة الطيران التركية. خبر ادخل شيئا من السرور على قلبها كما كل عوائل المخطوفين، وبالرغم من الفرحة الظاهرة على وجهها فإنها تخاف من ان يخيب أملها كالمرات السابقة، فالحديث عن اطلاق سراح أو استشهاد المخطوفين لم تعد تعني شيئاً، بعدما صارت اعصابهم لعبة بيد ممتهنين السبق الصحفي، ولو كذباً، الوعود كانت كثيرة لكنها بقيت حسرة في نفوس الأهالي المنتظرين.

“لا نريد أن نعرف من الخاطف، لكن نريد أن يتحرر اهالينا” يقول أدهم زغيب نجل المخطوف علي زغيب، ونبارك العملية ذات الأهداف النبيلة وكنا نتمنى لو كان لنا هذا الشرف، ويكمل زغيب لكننا في الوقت نفسه نرفض أن يتألم غيرنا كما تألمنا إنما غياب ابائنا واخوتنا قد طال.. طال كثيراً، ومن حقنا أن نلقى اهتماماً رسمياً من دولتنا، هنا ينتفض أدهم ويكمل: “الدولة التركية تهين دولتنا فهي دائماً تعد وتكذب، فمن العار على مسؤولينا أن يقفوا مكتوفي الايدي تحت رحمة الأتراك”.

حرّكت عملية خطف التركيين السلطات في انقرة، فباشرت باتصالاتها مع اللواء عباس ابراهيم الذي كان في اجازة، لم يقطع اللواء اجازته كرمى لعيون الأتراك، فالحديث يجب أن يكون تحرير الزوار اللبنانيين على الحدود التركية أولاً، وعندها تنتهي القضية، إلا أن الأهالي قرروا المضي في ضغطهم على المصالح التركية، كما تؤكد عضو لجنة المتابعة لأهالي المخطوفين حياة عوالي، التصعيد سيكون كبيراً قد يخرج عن الإطار التقليدي الذي دأب عليه الأهالي طوال الأشهر الماضية تتابع عوالي.

الأهالي الذين أعلنوا منذ البداية عدم مسؤوليتهم عن خطف الطيار التركي ومساعده، باتوا أمام معضلة جديدة، فرع المعلومات يوقف أحد اقرباء المخطوف جميل صالح، استغرب الضحايا ان تقوم دولتهم بجلدهم بدل سعيها لاعادة أبنائها، وهنا يعلق سعيد نجل المخوطف جميل صالح على هذا الأمر قائلاً: “اذا ارادت دولتنا حل قضية ابي ورفاقه عليها أن تبدأ من اعزاز من الحدود التركية وليس من هنا”، وبالتوقيف هذا يصبح كل ذوي المخطوفين متهمين عند فرع المعلومات، وهذا اتهام ليس غريباً على هذا الفرع المعروف بانتمائه الطائفي والسياسي، وبمعاييره المزدوجة في التعاطي مع الملفات الأمنية في البلد، انطلاقاً من مصلحة حزب كان أزرق في يومٍ من الأيام، يردف دانيال شعيب شقيق المخطوف عباس شعيب.

وبالفعل فإن أهالي المخطوفين لا علاقة لهم بمجموعة زوار الإمام الرضا (ع) التي أعلنت مسؤولياتها عن اختطاف الطيارين التركيين، بحسب مصادر أمنية متابعة، فالعملية تضيف المصادر لم تقم بها مجموعة محترفة، لكنها نجحت في اخفاء اثر المخطوفين بسرعة، وهي تحاول عدم اعطاء اي معلومات بدون مقابل، وتحرص على الابتعاد عن كل ما يثير الشبهات، وقد حددت هدفها من الخطف وهو إطلاق سراح الزوار المخطوفين في منطقة تحت سيطرة عملية ولوجستية للسلطة التركية، المجموعة قالت كلمتها ومشت بانتظار تحقيق المطالب، ودائماً على حد تعبير المصادر الامنية المتابعة للقضية.

مر عيد الفطر ولم تأتِ الدولة اللبنانية بأبنائها المخطوفين، وبقي تاريخ 22 ايار 2012 تاريخاً أسود لدى عوائل أحد عشر لبنانياً، إن كانت الدولة عاجزة عن تحرريرهم من خاطفيهم فتلك مصيبة، وإن كانت متقاعسة عن القيام بهذه المهمة فالمصيبة أعظم، والأنكى من هذا إذا كانت دولتنا تتعرض للابتزاز من السلطات التركية، وبقيت مكتوفة اليدين لفترة 15 شهراً، وهذا وحده كفيل باستفزاز كل لبناني وليس عائلات المختطفين فقط، فتركيا أقامت الدنيا ولم تقعدها لأجل مواطنَيها المخطوفين في لبنان، هذا ما يتأسف عليه ذوو المخطوفين في لبنان لأن كبار المسؤولين في البلد رموا القضية خلف ظهورهم، وهم كالمجموعة التي تحتجز اللبنانيين، تحركوا لأجل مواطنين تركيين خطفا منذ أيام، وتناسوا أشهراً تمضيها عائلات بدون اباء ولا ابناء.

تسارعت الأحداث مع خطف التركيين، فأم ابراهيم ترمس ومعها الجزء الأكبر من اللبنانيين باتوا مطمئنين بأن القضية في خواتيمها، انتظار المساعي الرسمية لم ينتج، وزيارات رئاسية إلى تركيا لم تثمر، واتصالات رئاسية لا يعرف محتواها إلا من قال في يومٍ من الأيام أمام أهالي المخطوفين “اذهبوا إلى جماعتكم…” والاجتماعات الفلكلورية للجنة الوزارية المكلفة متابعة الملف لم تتحدث إلا عن أجواء ايجابية، ولكن الوقائع اثبتت أن النتائج الايجابية بدأت تظهر بعدما طبق بعض الغيارى قاعدة “العين بالعين، والسن والسن، والبادئ أظلم”.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى