قصة والدة انتظرت زفاف ولدها…… أجمل الامهات التي انتظرت ابنها وعاد مستشهدا.

لم يعد ينقص سوى البلاط وبعض الأمور الثانوية ويكون البيت جاهزاً.. عندها سيعقد قرانه على ابنة عمه التي تنتظره منذ سنة ونصف. قبل أن يلتحق بالجبهة أعطى محمد أمه مبلغاً من المال وطلب إليها الذهاب وابنة عمه لانتقاء البلاط المناسب للمنزل، وأخبرها أنه اتفق مع صاحب المعمل على كل شيء..

امتلأ قلبها بالغبطة، فما كانت تنتظره طوال عمرها صار قريباً جداً، وسترى ابنها عريساً كما تمنّت..

غادر محمد؛ واحتارت هي بالتحضيرات، فتراها حيناً تشتري له ثياباً وحيناً آخر تبحثُ عمّا يعجبها لمنزل ولدها، وهي تنتظرُ عودته على أحرّ من الجمر..

حان وقت عودته.. لكنها كانت عودة من نوع آخر..

تحيّر الأقارب كيف ينقلون إليها خبر استشهاد محمد وهم يعلمون أن قلبها ينبضُ باسمه، وروحها تعيش بين أنفاسه، واتفقوا فيما بينهم أن يطلبوا سيارة الإسعاف مباشرة احتياطاً لما قد يحلّ بها ..

ولكن شيئاً لم يحدث كانت تنظر إليهم ودموعها تنهمر بصمتٍ على وجنتيها، ثم قالت لهم : لقد رأيتُ صباح هذا اليوم الإمام الحسين عليه السلام في الرؤيا، وكان يقف بين الأرض والسماء حاملاً كأساً ، فسألتُ لمن هذا الكأس؟ فأخبرني الناس إنه لشهيد لا نعرف من هو .. فقلتُ: هنيئاً له.. وليصبّر الله قلب أمه..

نكست رأسها وقالت : إنه محمد!

لم يحتاجوا لسيارة اسعاف كما ظنّوا، فما نفخه الله في قلبها من صبرٍ كان عظيماً.. ولكنها طلبت إليهم طلباً قبل أن يخرجوا ليحضّروا مراسم التشيع لليوم التالي، فقالت: أحضروا محمد في نعشه إلى البيت قبل دفنه، لأني أريد أن أزفّه عريساً..

كان الليلُ بنجومه السارحة في السماء يمرُّ على قلبها ببطء، خرجت إلى الحديقة وقطفت من شجرة الغاردينيا كل الأطباق المفتحة والتي تكاد أن تتفتح، وذلك لتهيئ صينية الورد والأرز، كانت راحة الغاردينيا تدغدغ أنفاسها الساخنة، ونسيم الليل يلفح وجنتيها المبللة بالدموع..

اشرقت الشمس على وجه الأم المنتظرة والتي لم يغمض لها جفن.. وقفت عند النافذة لتنظر إلى الزقاق الضيّق، وإذا بها ترى شجرة الغاردينا وقد امتلأت أغصانها بورود جديدة ما أثار استغرابها! وكأن الشجرة تريدُ أن تشاركها في زفّ عريسها..

بقيت عند النافذة ترمق الزقاق، حتى إذا ما تناهى إلى سمعها صوت سيارة الاسعاف، لملمت مشاعرها المبعثرة في زوايا الذكريات، ووقفت بين النساء قائلة : من تريد الخروج معي لاستقبال محمد عليها أن لا تبكي وأن لا ترفع صوتاً أمام الرجال..

خرجت في الزقاق الضيق، وفي خيالها يلوح محمد طفلاً يركضُ بين زواياه فرحاً وصوت ضحكاته ترنّ في الارجاء.. تذكرته يضع رأسه في حضنها باكياً من وقعةٍ آلمته، فتمسح دموعه وتوسعه تقبيلاً.. تذكرته وقد صار فتى يتحين فرصة انشغالها لينسلّ من المنزل ويلتحق في لعب الرفاق.. تذكرته شاباً، يعود من عمله منهكاً فتحتار كيف تخفف عن كفيه التعب.. تذكرته.. وتذكرته.. وآهٍ من حبل الذكريات حينما يرمينا في بئر الزمن العميقة..

وصلت إلى السيارة، ومشت خلف النعش حتى وضعوه في المنزل، كشفتْ عن وجهه.. قبّلته القبلة الأخيرة.. وامتزجت دموعها بدمائه.. وما إن رفعوا النعش، حتى جاءت بصينية الأرز والورد ومشت خلفه تزفه وتزغرد له فقد انتظرت طويلاً أن تزفه عريساً.. وها قد زفته إلى مثواه الأخير..

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى