قصة قصيرة من دفتر أحوال صفوان !!

بقلم : أمير شفيق حسانين

أمير شفيق حسانينكاد عقل صفوان أن يجن ، من عُقدة البطالة التي لازمته سنيناً عددا ، وأجبرته علي المكوث في البيت ، بلا أمل في عمل ، بعد تخرجه في كلية الآداب ، فكانت أحلامه تنحصر دائماً في تقلُد الوظائف المرموقة ، أما يقظته المريرة فكانت تنفر من الخضوع لضغوط ومشقِة القطاع الخاص – كما كان يري ويتخيل .. ولذا فلم يكن يُرِوح عن نفسه بين الحين والآخر إلا بالجلوس علي المصطبة أمام منزله ،غير مبال بالجو الممتزج فيه صخب السيارات بأدخنتها السوداء التي تضر الأنفس إذا تنفست .. وكان صفوان ينظر للماره في الشوارع ، محاولاً تصريف ساعات وقته ، الذي يستشعره يمضي بطيئاً كالسحفاه ، بينما كان العُمر يجري به كسرعة البرق ، وهو في غفلة وسُبات من العمل أو الزواج وقد قارب علي الأربعين عاماً !!

كنت تراقب صفوان وهو يستقبل نصيحة الناصحون له ، بإبتسامه عريضة ، غير مبالِ بنصائحهم التي تدعوه لكي يُغير من حياته إلي الأحسن ، ثم كنت تتعجب من قدرته الساحرة علي تزيين الكلام ، وإقناع هؤلاء الناصحون بأنه علي حق وإن كان يسيرعلي حافة الباطل أو يتمسك بهاوية الخطأ .. ولم يعلن صفوان ندمه ولو مرة واحده علي تلك السنوات التي مضت وانقضت من حياته الفارغة من الجدية وتحمل المسئولية.. وضياع السنوات في الذهاب إلي الكبراء وأولي الأمر ليسألهم مساعدته في مواصفات عمل ، يجمع بين الوجاهة والراحة والدخل الوفير ، ولكن جهوده في البحث كانت لزاماً تذهب مع الريح العاصف ، لأنه كان لا يبحث إلا عن سراب ، لا يُري إلا بعين الوهم الخادعة !!

إعتاد صفوان إرتداء الجلباب الأفرنجي الأبيض ، والتنعَل بالنعل الذي يشبه لون الجلباب ، والإمساك بالمَسبحه البيضاء حباتها ، ووضع عباءة الخروج علي كتفيه ، عند ذهابه وإيابه للمسجد ،أو حضور أي مناسبة داخل قريته ، ثم إلتزم تلك العادة اليومية لفترة طويلة ، وكانت أعين أهل الريف الذي يقطنه صفوان – كعادتها مع الجميع – تتبع صفوان العاطل بالنظرات المنتقده لأحواله ، والمُتحسره علي آماله التي تفوق الأحلام ، وكانت الألسن تتهامس وتُعيب قعوده حتي هذا السن دون شيئ من الاستقرار الوظيفي ، أو حتي التفكير في الزواج ، الذي فاته قطاره منذ سنين !!

وذات يوم ذهب صفوان بصُحبة صديقه الحلاق إلي نائب دائرته ، بعدما توسط النائب بتوفير وظيفة مرموقة له بأحد القطاعات الحيوية بالدولة ، وفي الطريق لمكتب المسئول ، لم يتوقف صفوان عن وصف مدي فرحته لصاحبه الحلاق بقُرب تحقيق حلمه بالوظيفة المُشرفة التي صارت قاب قوسين أو أدني منه ، وكان الحلاق الصديق يظهر شعوره لصفوان بالسعاده ، ويبدي التهاني الحاره لصاحبه صفوان بالعمل الجديد .

وصل الصديقان لمكتب المسئول، وجلسا ينتظران السماح بالدخول ، وكان موظفو المكتب يخشون صوت صفوات العالي ، وأسلوبه البزئ في الحديث ، فلم يكن يخشي الحياء أو الحرج عند مخاطبة من يخاطبهم أيناً كانوا !! دقائق معدودة .. ثم يدخلا الضيفين علي النائب ، الذي استقبلهما بأدب جم ، وفي اللحظة التي أن بدأ صفوان فيها الحديث ، قاطعه صديقه الحلاق فجأه ، وانفتح في سيل من البكاء الشديد ، موجهاً شكواه للنائب المسئول ، موضحاً له سوء حاله وحالته المادية ، وتكفُله بالانفاق علي باقي إخوته ، منذ وفاة والديه ، واستمر الحلاق يشكو ضيق ذات اليد ، وما يلزم أهل بيته بُسطاء الحال من مأكل وملبس وتعليم ، واستعطف نائب الدائره أن يوفر له عمل يستره وأسرته من سؤال الناس أو اللجوء للدَين ، حتي رقَ قلب النائب لدموع الحلاق الباكي ، وإقتنع بأنه أولي بالعمل من أي أحد !!

أما حالة صفوان لحظتها ، فكانت كالبركان الملتهب الذي أوشك أن ينفجر، بل كان يجلس والدماء تغلي في جسده غضباً ، من مطلب صديقه – الغير متوقع – واعتبره خائناً، واستنكر عليه تحايله في الكلام ، وظل يوبخه ، ويضحك ساخراً من دموعه الوهمية ، ويتهمه بالخديعة والتنصل من الوفاء أو الإخلاص ، واستغلاله لفرصة المجئ هنا بصحبته ، وتضييع فرصته لسؤال النائب في أمر عمله الجديد ، ثم ترك صفوان صاحبه يكمل مسرحية الدموع الزائفة ، وسارع بالخروج دون استئذان ، غاضباً مصدوماً مما حدث ، وظل يهرتل بكلمات وألفاظ فظَه ، غير واضحة السمع ، متهكماً من تصرف صاحبه الذي زايد في شكواه ، برغم من كونه يمتلك لصالون حلاقه كبير، ويربح منه المال الوفير !!

أيام قليله ويتعين الحلاق ، موظفاً بإحدي شركات البترول بوساطه من نائب الدائره ، وبعدها يغلق محل حلاقته ، ويُغيَر مَصار حياته ، تبعاً لوجاهة وظيفته الجديدة، ولم يهتز الحلاق لزعل صديقه صفوان ، ولم يبالي بالشعور بذنب تجاهه، معتقداً أن هذا حقه أن يطلب عمل من المسئول مثله تماماً مثل صاحبه صفوان .. وأما صفوان فقد إمتنع الذهاب لمكتب النائب مره ثانيه ، وأصابته الخشية أن يقابل النائب مرة أخري ، بعدما أساء الحديث في وجوده وتلفظ بغير الأدب والإحترام داخل حجرة مكتبه .

وتمضي سنوات قلائل ، وبعدها يشاء القدر أن يتعين صفوان مُعلماً بإحدي المدارس ، دون وساطة من أحد ، ليخلع ثوب البطالة ذو الرائحة العفنه ، ويعتزل الجلوس علي مصطبة بيته والثرثرة بما يثير الجدل والمشاحنات مع رفقائه ، ثم تستقر حياته ، وتتبدل سنواته من الفراغ للشُغل ، ومن العزوبيه للزواج ثم الإنجاب ، ومع مرور الأيام نسي صفوان الموقف المؤلم الذي صدر من صديقه القديم ، وترك معاملته ، وذهب لمصاحبة أُناس جدد يتمتعون بالإخلاص ، وقلدهم في التأدب واللين عند معاملة الآخرين ، واقتبس منهم الصبر في تحمل المسئولية ، والسعي والكفاح لأجل الفلاح ، حتي صار صفوان إنساناً جديداً في فِكره وطِباعه ومِنهاجه وسط دروب وأكباد الحياة !!!

[email protected]

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى