قراءة في مذكرات الصاغ الأحمر: خالد محيي الدين في “الآن أتكلم”

د.محمد عبدالرحمن عريف

 

في 6 أيار (مايو) 2018 غيّب الموت القطب اليساري المصري البارز، عضو حركة الضباط الأحرار 1952، وذلك عن عمر 96 عاماً، بعد مسيرة طويلة في العمل السياسي. حيث ولد محيي الدين في مدينة كفر شكر في محافظة القليوبية شمال القاهرة، وتخرّج من الكلية الحربية عام 1940، وانضم الى الضباط الأحرار، لكنه سرعان ما استقال منه بسبب خلافاته مع الضباط الذين رفضوا طلبه عودة الجيش إلى ثكناته. وكان وقتها برتبة صاغ.

 

محيي الدين كان قد حصل على بكالوريوس التجارة عام 1951 مثل كثير من الضباط الذين سعوا للحصول على شهادات علمية في علوم مدنية بعد الثورة وتقلدوا مناصب إدارية مدنية في الدولة. وصفه عبد الناصر بالصاغ الأحمر في إشارة إلى توجهات محيى الدين اليسارية وحينما دعا محيي الدين رفاقَه في آزار (مارس) 1954 إلى العودة لثكناتهم العسكرية لإفساح مجال لإرساء قواعد حكم ديمقراطي نشب خلاف بينه وبين عبد الناصر ومعظم أعضاء مجلس قيادة الثورة، عندها استقال على إثره من المجلس، وآثر  -ربما تحت ضغوط من عبد الناصر- الابتعاد إلى سويسرا لبعض الوقت.

 

في كتابه “الآن أتكلم” نجد فى تقديم الناشر للكتاب تلخيصًا دقيقًا لأهم الموضوعات التى يتضمنها الكتاب، ولقيمته، وقيمة مؤلفه؛ إذا يذكر أن “لشهادة خالد محيى الدين عما حدث فى ثورة 23 تموز (يوليو) 1952 قيمة فريدة، تنبع أساسًا من طبيعة شخصية كاتب هذه المذكرات. فخالد محيى الدين من الستة الأوائل الذين شكلوا تنظيم الضباط، وكان فى العمل السياسى أقربهم إلى عبد الناصر، فضلًا عن أنه كان صاحب موقف واضح من قضية الديمقراطية انتهى به للاستقالة من مجلس قيادة الثورة، كما كان له موقفه الفكرى المميز.

 

مع أن مذكرات خالد محيى الدين تجيء بعد 40 عامًا من قيام حركة الضباط الإنقلابية، إلا أنها تتضمن قدرًا كبيرًا من الأسرار ينشر لأول مرة مثل: لماذا عارض عبد الناصر التقيد ببرنامج التنظيم؟ حقيقة العلاقة مع أمريكا، علاقة عبد الناصر وخالد محيى الدين بالإخوان والشيوعيين، صلة السادات بالسفارة البريطانية، تأثر عبد الناصر باستقالة أتاتورك ومظاهرات الأتراك لإثنائه عنها.

 

نعم قد تكون الدلالة الأولى تأتى متأخرة عن الأحداث التى تتناولها كثيرًا، وبعرض مذكرات خالد محيى الدين على المذكرات المماثلة للضباط الأحرار؛ سواء منهم من شغلوا عضوية مجلس قيادة “الثورة”، أو الذين كانوا فى الطبقات التالية للقيادة، نتأكد من أن خالد محيى تكلم متأخرًا عن الكثيرين، وحق له أن يطلق على مذكراته هذا الاسم المعبر “الآن أتكلم”؛ فلطالما كان هذا السؤال يطرح عليه: لماذا لا تتكلم؟.

 

سبق خالد محيى الدين من “القيادة” فى كتابة ونشر مذكراتهم كل من: محمد نجيب “كنت رئيسا لمصر”، عبد المنعم عبد الرءوف “أرغمت فاروق عن التنازل”، مذكرات عبد اللطيف البغدادى، مذكرات كمال الدين حسين، وإذا أضفنا كتاب أنور السادات “البحث عن الذات” يبدو “محيى الدين” متأخرًا كثيرًا، وظل السؤال بعد أن تكلم: لماذا لم يكمل؛ إذ إنه توقف فى كتابه عند سنة 1955 ولم يكمل الكلام، وبدا أن مبرره فى ذلك غير مقنع إذا ذكر أنه تكلم عما عاينه وشارك فيه من المراحل المبكرة من الإعداد للثورة وحتى خروجه من الحكم، ذلك لأنه وإن كان فعلًا قد خرج فعليًا من سلطة الحكم إلا أنه ظل مشاركًا فى النظام السياسى الذى أنشأه الضباط الأحرار، فشارك فى صحافة السلطة وفى منظماتها المحلية والدولية، وفى مجلسها التشريعى “مجلس الأمة”، بل أنه الوحيد من بين قادة حركة 23 تموز (يوليو) الذى ظل محافظًا على علاقة ما -تتراوح دراجات حرارتها تبعًا للتقلبات فى مزاج القيادة- بالنظام السياسى، فهو مثلًا الوحيد الذى انتخب فى المجالس التشريعية فى ظل حكم: جمال عبد الناصر وأنور السادات وحسنى مبارك.

 

وقد مثلت مذكرات خالد محيى الدين “الآن أتكلم” خاتمة لسلسلة من المذكرات لضباط يوليو، يبرز منها: جمال منصور “فى الثورة والدبلوماسية”، محمد عبد الفتاح أبو الفضل “كنت نائبًا لرئيس المخابرات”، حسين حمودة “أسرار حركة الضباط الأحرار والإخوان المسلمين”- 1985- وبنشره لتلك المذكرات أصبح السؤال الأبرز متعلقًا بالصامتين؛ وأبرزهم بلا شك زكريا محيى الدين (1918 – 2012)- وهو كما هو معروف ابن عمه- فقد تكرر سؤاله مئات المرات طوال العقدين اللذين أعقبا صدور “الآن أتكلم”، لماذا لا تتكلم، فأنت “مخزن أسرار” تموز (يوليو)، وقد بقيت مشاركًا فى الحكم، ولم تنسحب، أو تطرد، أو يتم تحجيمك، حتى وفاة جمال عبد الناصر.

 

الواقع أنه من خلال التقديم الخاص بالناشر يمكننا أن نتبين -كما سنجد تأكيدًا لذلك فى مذكرات عدد من الضباط- محورية دور خالد محيى الدين فى الإعداد وبناء تنظيم الضباط الأحرار، وفي كل الأحداث التى أعقبت نجاحهم فى السيطرة على السلطة، وحتى خروجه من مجلس الثورة فيما عرف تاريخيًا بـ”أزمة آزار (مارس) 1954″ أو “أزمة الديمقراطية” في توصيف آخر، ويبدو أن هذه الأزمة التي لازمت النظام السياسي المصري من وقتها وحتى الآن كانت بالنسبة لخالد محيى الدين مسألة غير واضحة تمامًا منذ البداية، إذ يبدو متناقضًا منطقيًا في طرحه للمسألة تاريخيًا، لكنه في الواقع العملي؛ ولأنه كان مشاركًا في النظام السياسي من خارج سلطة الحكم، بدت أفعاله في الممارسة العملية منحازة بالفعل للممارسة الديمقراطية المقيدة والمحكومة بمحددات قاطعة.

 

هو الصاغ الأحمر.. خالد محيى الدين الذي وصفه السادات مهاجمًا؛ في ذروة أزمة آذار (مارس)، بهذا اللقب، كإشارة إلى انتمائه التنظيمي لأحد تنظيمات الحركة الشيوعية المصرية -حدتو- التي منحت ضباط تموز (يوليو) تأييدًا غير مشروط، في حين منحتهم تنظيمات أخرى تأييدًا مشروطًا، وعارضتهم غيرها ووصفت حركتهم منذ البداية بأنها “انقلاب عسكري”، خالد ربما يكون التعبير “الإنسانى المثالي” عن تناقضات ضباط تموز (يوليو)، فقد تنقل -كما جمال عبد الناصر- بين عضوية جماعة الإخوان المسلمين وبين التنظيمات الشيوعية، كما تتبدي تناقضاته هذه في مسار خياراته بعد خروجه من مجلس قيادة الثورة، مرورًا برئاسته لتحرير صحيفة مسائية “المساء” وعضوية مجلس الأمة، دون أن يعود أبدًا إلى السلطة في أي من مواقعها التنفيذية، وقد امتدت تلك العلاقة “الفريدة” مع السادات أيضًا.

 

ولأن مذكرات خالد محيى الدين تتوقف عند عام 1955 فهي، كما مذكرات محمد نجيب، تعتبر من وجهة نظر “عريضة دعوى” ضد رفاق السلاح، أو “عريضة دفاع” في مواجهة هجومهم. فقربه من جمال عبد الناصر ليس طبعًا بقوة قرب عبد الحكيم عامر-ليس هناك من فكر في أن ينافس عامر في هذا أبدًا- لكنه يبرز في مذكراته هذا القرب ذا الأبعاد الإنسانية والفكرية، ورغم أنه من أصغر أعضاء القيادة، فقد لعب بالفعل أدوارًا بالغة الأهمية، وهو رافق عبد الناصر في “جولاته” على التنظيمات السياسية: العلنية والسرية.

 

إن بعض ما ذكره “الصاغ الأحمر” كذبه مقربون من عبد الناصر، فظل سامي شرف، مدير مكتب عبد الناصر مصرًا على إنكار أن عبد الناصر أقسم يمين السمع والطاعة، وبايع حسن البنا، ذكر خالد وقائع الاتصال، والعضوية، والانفصال هكذا: فيذكر عن علاقتهما-  (هو وعبد الناصر بجماعة الإخوان المسلمين): “حاول حسن البنا أن يشدنا إلى الجماعة برباط وثيق، وتقرر ضمنا أنا وجمال عبد الناصر إلى الجهاز السرى للجماعة ربما لأننا الأكثر فعالية وتأثيرًا فى المجموعة. ويضيف: “المهم اتصل بنا صلاح خليفة وأخذنا أنا وجمال عبد الناصر إلى بيت قديم في حي الدرب الأحمر باتجاه السيدة زينب، وهناك قابلنا عبد الرحمن السندي المسئول الأول للجهاز السرى للإخوان في ذلك الحين، وأدخلونا إلى غرفة مظلمة تمامًا واستمعنا إلى صوت أعتقد أنه صوت صالح عشماوي ووضعنا في يدنا على مصحف ومسدس، ورددنا خلف هذا الصوت يمين الطاعة للمرشد العام في المنشط والمكره (الخير والشر) وأعلنا بيعتنا التامة الكاملة والشاملة له على كتاب الله وسنة رسوله”.

 

أما عن بداية؛ وسبب، الانفصال يقول: “وقفت الجماعة ضد اللجنة الوطنية للطلبة والعمال- التى كانت تقاوم سلطة رئيس الوزراء إسماعيل صدقى في منتصف الأربعينيات- وحاولت أن تشكل جماعة أخرى بالتعاون مع إسماعيل صدقي وبدءنا نحس أنهم مثل أي سياسيين آخرين يفضلون مصلحتهم ومصلحة جماعتهم على ما ينادون به من مبادئ وعلى مصلحة الوطن وتحادثت طويلًا مع جمال عبد الناصر حول علاقتنا بالجماعة وأفضى جمال لي بمخاوفه من أن الجماعة تستخدمنا كضباط لمصالحها الذاتية وليس لمصلحة الوطن وأفضيت له بمشاعرى واتفقنا أننا قد تورطنا أكثر مما يجب مع هذه الجماعة وأنه يجب أن ننسحب منها… لكنه لا يمكن أن أقول إننا في يوم كذا انسحبنا من الجماعة فقط أصبحت الشكوك تملؤنا وأصبحنا على غير وفاق وغير متحمسين وبدأنا نتباعد أنا وجمال وربما بدأت الجماعة هي أيضًا تستشعر أننا لا نمتلك الولاء الكافي فبدأت تتباعد عنا…. وتدريجيًا يأتي عام 1947 ليجد علاقتنا -جمال وأنا- وقد أصبحت باهتة تمامًا مع جماعة الإخوان”.

 

وإذا كان الموضوع الأساسي الذي يشغل بؤرة الاهتمام بمذكرات خالد محيي الدين متعلقًا بأزمة آزار (مارس)، فإن تأكيد خالد أن جمال عبد الناصر طلب من أعضاء مجلس “الثورة” تكوين تنظيم سري للتخلص من الإخوان والشيوعيين وطبقة الباشوات الرجعية في مرحلة مبكرة تشير إلى الخطط التي وجدت سبيلها إلى التنفيذ بوسائل متنوعة، ويلتقي خالد مع عبداللطيف البغدادى وكمال الدين حسين في تأكيدهم أن عبد الناصر كان ضد الديمقراطية على طول الخط، وأنه هو الذي مول مظاهرات عمال النقل التى جابت شوارع وسط القاهرة هاتفة “لتسقط الديمقراطية وتحيا الثورة”، وذكر خالد أن عبد الناصر قال له “هذا الإضراب كلفني أربعة آلاف جنيه”، وذكر ايضًا أن عبد الناصر هو الذى دبر وأمر بتنفيذ الانفجارات الستة التي حدثت في الجامعة وفي جروبي وفي مخزن الصحافة بمحطة سكة حديد القاهرة لإثارة مخاوف الناس من الديمقراطية وللإيحاء بأن الأمن سيهتز وأن الفوضى ستسود إذا مضوا في طريق الديمقراطية.

 

بينما لا يتجاوز خالد محيى الدين العام 1955 بالحديث عن ذهابه إلى “المنفى” حيث اتفق هو وجمال عبد الناصر؛ عقب انتصار عبد الناصر وباقي أعضاء مجلس قيادة “الثورة” في “معركة الديمقراطية”؛ بإزاحة محمد نجيب عن رئاسة الجمهورية ومجلس قيادة الثورة وإزاحة خالد محيى الدين عن رئاسة الوزراء، على أن يقيم خارج مصر (سويسرا) -لفترة حتى تستقر الأوضاع- وهو ما حدث بالفعل ليمكنه بعدها العودة، فإن بعض ما يذكره بمثابة تلميحات وإشارات خاطفة إلى أحداث لم يتطرق لها، هكذا يمكننا أن نفهم من حديثه عن “تأثر عبد الناصر باستقالة أتاتورك ومظاهرات الأتراك لإثنائه عنها”، حيث يبدو وكأنه تعليق خافت على تنحي عبد الناصر عقب هزيمة الخامس من حزيران (يونيو) 1967، وخروج مظاهرات فى الثامن والتاسع من حزيران (يونيو) تطالب عبد الناصر بالعودة عن التنحي.

 

بعد عودته إلى مصر ترشح في انتخابات مجلس الأمة عن دائرة كفر شكر عام 1957 وفاز في تلك الانتخابات، ثم أسس أول جريدة مسائية في العصر الجمهوري وهي جريدة المساء. وشغل منصب أول رئيس للجنة الخاصة التي شكلها مجلس الأمة في مطلع الستينيات لحل مشاكل أهالي النوبة أثناء التهجير. تولى خالد محيي الدين رئاسة مجلس إدارة ورئاسة تحرير دار أخبار اليوم خلال عامي 1964 و1965، وهو أحد مؤسسي مجلس السلام العالمي، ورئيس منطقة الشرق الأوسط، ورئيس اللجنة المصرية للسلام ونزع السلاح. حصل على جائزة لينين للسلام عام 1970. وبعدما أعلن أنور السادات حل الاتحاد الاشتراكي، والتوجه إلى سياسة المنابر (التي هي تعددية سياسية مُفصلة)، أسس محيي الدين عام 1976 حزب “التجمع الوطني الوحدوي التقدمي اليساري”، الذي ذاع صيته في حقبتي الثمانينات والتسعينات، وكان واحدًا من أكبر الأحزاب المصرية، لكنه تراجع مع أفول نجم الأحزاب عمومًا في مصر.

 

لقج عارض محيي الدين السادات سياسياً واقتصادياً، ورفض بشدة، انطلاقاً من أفكاره الاشتراكية، وهي سياسة الانفتاح الاقتصادي، التي تبناها السادات، وعلى قاعدة يسارية، عارض سياسة السلام مع إسرائيل، ورفض السفر برفقة السادات إلى تل أبيب، فطالته اعتقالات أيلول (سبتمبر) الشهيرة التي طالت غالبية قادة اليسار وحزب التجمع. واتهمه السادات بالعمالة لموسكو، وهي تهمة كانت توجه لعديد من اليساريين العرب في حقبتي السبعينيات والثمانينيات، ورغم الخلاف بين محيي الدين والسادات، إلا أن الأول حفظ للثاني قدره طوال السنوات التي تلت اغتياله، ولم يبخسه دوره في نصر تشرين الأول (أكتوبر) 1973.

 

في عام 2005، لما قرر مبارك للمرة الأولى، إجراء انتخابات رئاسية تعددية، اتجهت الأنظار إلى شخصيات بقيمة محيي الدين لمنافسة مبارك، ربما لمنح المشهد “إخراجاً لائقاً”. لكن السياسي العتيد رفض خوض تلك الانتخابات، وقاطعها حزبه. ويحسب له أن في السنوات التي سبقت اعتزاله السياسىة أبى المشاركة في هذه الانتخابات الرئاسية في مصر ليقينه بأن الانتخابات لن تكون نزيهة وأنه مشاركته ستستخدم لتبرير شرعية مبارك في حينها.

 

الحقيقة أن البعض يرى في تخلي محيي الدين طوعاً عن قيادة حزب التجمع مثالاً للحكومة والمعارضة في أهمية التغيير وتداول السلطة. لذلك جاء نعى رجال السياسة في مصر ببالغ الحُزن والأسى السياسي الكبير، وجاءت البيانات معبرة عن مسيرته السياسية الممتدة، حيث كان رمزاً من رموز العمل السياسي الوطني. كما نعاه مجلسا الوزراء والنواب.

د.محمد عبدالرحمن عريف

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى