قراءة في بيان الدوحة.. والآفاق المستقبلية للمنطقة

الوقتأثار اجتماع دول مجلس التعاون الذي عقد قبل أيام في العاصمة القطرية الدوحة وحضره وزير الخارجية الامريكي جون كيري الكثير من علامات الاستفهام التي يجب التوقف عندها لاستشراف الآفاق المستقبلية للمنطقة على ضوء المواقف التي تبناها هذا الاجتماع لاسيما ما يتعلق بالإتفاق النووي الذي أبرم مؤخراً بين إيران ومجموعة (٥+١) في فيينا والأزمتين السورية واليمنية.

فقد رحب البيان الختامي للاجتماع بالإتفاق النووي بين إيران والسداسية الدولية ودعا طهران إلى الوفاء بالتزاماتها على نحو تام بموجب هذا الإتفاق وتحمل مسؤولياتها طبقاً لبنود معاهدة حظر الانتشار النووي وقرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة من أجل تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة على المديين القريب والبعيد.

وبشأن الأزمة السورية شدد البيان على ضرورة البحث عن حل سياسي لهذه الأزمة، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن اجتماعاً ثلاثياً هو الأول من نوعه بين أمريكا والسعودية وروسيا سيعقد لمناقشة هذا الملف.

وحول الأزمة اليمنية رحب البيان بعودة من أسماهم وزراء وممثلي الحكومة الشرعية في اليمن إلى عدن، ودعا إلى استئناف الحوار السياسي السلمي الشامل بقيادة يمنية، المستند إلى قرارات مجلس الأمن الدولي بما فيها القرار ٢٢١٦.

ووردت في البيان عبارات تدعو إلى التأمل بخصوص الملفات التي تم ذكرها آنفاً، يمكن الاشارة اليها على النحو التالي:

١ – دعوة المجتمع الدولي لمنع إيران من تطوير أو الحصول على قدرات نووية عسكرية.
٢ – رفض البيان ما أسماه دعم إيران للإرهاب وأنشطتها المزعزعة للأمن والاستقرار في المنطقة، مشيراً إلى التزام دول مجلس التعاون وأمريكا بالعمل معاً للتصدي لما وصفه محاولات طهران بالتدخل في الشؤون الداخلية لدول المجلس، مشيراً في هذا الخصوص إلى البحرين.
٣ – جدّد البيان الدعوة لعملية الانتقال السياسي للسلطة في سوريا، زاعماً أن الرئيس بشار الأسد فقد شرعيته بالكامل، وشدد على الحاجة لوجود حكومة سورية جديدة تلبي تطلعات الشعب السوري.
٤ – دعا البيان إلى الوقف الفوري للعنف في اليمن من قبل الحوثيين (حركة أنصار الله) وقوات الرئيس الأسبق علي عبدالله صالح.

وهنا لابد من الاشارة إلى الامور التالية:

ألف- دعوة المجتمع الدولي لمنع إيران من تطوير أو الحصول على قدرات نووية عسكرية تتناقض تماماً مع روح الإتفاق النووي بين طهران ومجموعة (٥+١) الذي اعترف صراحة بسلمية البرنامج النووي الإيراني ولولا ذلك لما تم التوصل إلى هذا الإتفاق ولما وافقت دول السداسية على رفع الحظر المفروض على إيران على خلفية هذه الأزمة.

ب – اتهام طهران بدعم الإرهاب وزعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة والتدخل بالشؤون الداخلية لدول مجلس التعاون يرد ذكره كثيراً في البيانات التي تصدرها الحكومة السعودية بشأن إيران وهذا يبين بشكل واضح ان الرياض لعبت دوراً كبيراً في صياغة البيان الختامي لاجتماع الدوحة.

ج – الدعوة لعملية الانتقال السياسي للسلطة في سوريا، والزعم بأن الرئيس الأسد فقد شرعيته بالكامل، تمثل في الحقيقة نفس الدعوات التي تطالب بها أمريكا والسعودية وقطر باستمرار منذ بداية الأزمة في سوريا قبل اكثر من أربع سنوات. وبمعنى آخر فإن هذه الدعوة جاءت استجابة لمطلب طالما أصرت عليه ذات العواصم (واشنطن والرياض والدوحة) المتهمة بالأدلة والارقام بدعم الجماعات الإرهابية في سوريا بهدف اسقاط حكومة الأسد.

د – ترحيب البيان بعودة من أسماهم وزراء وممثلي الحكومة الشرعية في اليمن إلى عدن، والدعوة إلى الوقف الفوري للعنف من قبل أنصار الله وقوات الرئيس الأسبق علي عبدالله صالح تشير إلى أمرين مهمين:

الأول: لازالت أمريكا ومعظم دول مجلس التعاون ترى ان الرئيس اليمني المستقيل والهارب عبد ربه منصور هادي وحكومته هم الممثلون الشرعيون للشعب اليمني وتتهم في الوقت ذاته حركة انصار الله بأنها المسبب للعنف في البلاد، وهذا يعني ان إنهاء الأزمة اليمنية من وجهة نظرهم غير ممكن إلاّ بعودة حكومة منصور هادي إلى السلطة وتخلي انصار الله عنها لصالح تلك الحكومة.

الثاني: الاشارة إلى عدن دون صنعاء في البيان يدلل على ان أمريكا ومعظم دول مجلس التعاون يعملون على إسقاط شرعية حركة انصار الله بإعتبار ان صنعاء هي العاصمة الرسمية والتاريخية لليمن وليست عدن، وفي هذا دلالة واضحة على دعم البيان لموقف السعودية المؤيد لعبد ربه منصور والمعارض لحركة أنصار الله.

في المحصلة يمكن القول إن أمريكا تمكنت في اجتماع الدوحة من إقناع دول مجلس التعاون بالأسباب التي دعتها لتوقيع الإتفاق النووي مع طهران من جهة، مقابل دعم واشنطن لمواقف هذه الدول لاسيما السعودية وقطر ازاء سوريا واليمن من جهة أخرى، وهذا يشير إلى أن مستقبل المنطقة سيبقى متأرجحاً بين ما هو مطلوب تحقيقه على صعيد الأمن والاستقرار والذي يعد من الأهداف الرئيسية للإتفاق النووي بين طهران والسداسية، وبين ما هو متأزم بسبب الوضع في سوريا والعدوان السعودي المتواصل على اليمن، وهذا يدلل بحد ذاته على ان فتيل الأزمات التي تواجهها المنطقة في الوقت الحاضر لا يمكن نزعه بشكل تام وسريع وبما يحقق الأمن والاستقرار في ربوعها رغم الجهود الدبلوماسية الكبيرة التي تبذلها إيران وروسيا لانهاء هذه الأزمات بسبب اصرار السعودية ومن ورائها أمريكا على الاستمرار بالتدخل في الشأنين السوري واليمني وانحيازها التام للجماعات الإرهابية التي تسعى لاسقاط نظام الأسد واعادة نظام عبد ربه منصور إلى السلطة في اليمن حتى وإن أدى ذلك إلى إزهاق أرواح وإراقة دماء المزيد من أبناء شعبي هذين البلدين.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى