في ذكرى الشهداء القادة.. رجال الله شكراً لكم

الجنوب.. الجولان.. الجليل.. والمثلث المقدس

الاّ إن قولا صيغ من تسعة وعشرين حرفاً عن معانيه قاصر يفصح العرفاء في هذا البيت عن قصور وصف الكمال. وكيف للناظر في خصال كامل الأوصاف أن ينطق.

والوقوف على شجرة المعنى أصعب منالاً من أجنحة المبنى.

يجهد العقل في إيجاد صيغة الإفصاح وتأتيه الإشراقات من كل صوب كما تشعل الشمس ضوء النهار يعرف معرفة اليقين أنه في محضر الشمس؛ وأن ما يراه هو على الحقيقة: فعل وجود مقاوم للظلام.

2

ستبقى الحكايات تدور حول حقيقة ما جرى في مزارع شبعا…

يقول عاشق من الجوار، قذفته البهجة إلى سماع الدويّ، واشتعال النار في المركبات العدوة وصرخات الأعداء، تسابق شرارات الموت الآتِ من قذائف سيوف الحق، تلك وأيم الله، ضربة عليّ، أحالت باب خيبر وحصنه إلى أثر بعد عين. تلك صرخة الحق للثارات المترامية من البحر إلى النهر، في الثالوث المقدس المرسوم على خارطة أكناف بيت المقدس، هذه الجبال والهضاب والسفوح والوديان من القنيطرة في الجولان، إلى مزارع شبعا على تخوم الجنوب، صورة مفاضة، لقيامة الوطن.

يقول ثالث كيف يمكن الوصف، في لحظة الوجد، لا شيء يبقى سوى الوجود الصادق الواقعي اليقين منشأ التخيّل والتجليات….

يفصح عاشق آخر هذه عملية شجاعة حكيمة مقتدرة كاملة الأوصاف.

3

تذهب الفلاسفة للقول أن بداية الفكرة الدهشة. وأنها تترك أثرها على الناظر فلا يخرج منها، حتى تزلزل كيانه العقلي. وعليه هل يمكن التبصّر في مواقف الصمت للغرب الأميركي والأوروبي المدجج بالسلاح وشعور القوة والعظمة أمام عملية كفرشوبا وكيف ظل مدهوشاً بلا حراك.

وحدها الدهشة أمام فعل كامل الأوصاف تفسر هذا الموقف. وعليه يمكن التبصر في أحوال جيشٍ ظن نفسه طويلاً في موقع القوّة وقرار الميدان، حينما يصبح عاجزاً يجرّ أذياله، ويلملم أشلاء ضحاياه، ولا يجد وقتاً لتفسير ما حصل إلاّ الاعتراف بالهزيمة، وأنه في الواقع الذي يشاهد متغيراته، أصبح مسلوباً من قوّة الفعل، مستسلماً لحقائق الميدان، ناظراً بعين الدهشة مع رعاته، الذين وهبوه، ما حسبوه كاف لحماية كيانه الغاصب فيما يظهر تحت ضربات المقاومة كتلة رخصة عديمة الجدوى، منزوعة القدرة، مسلوبة الإرادة، مشوشة الرؤية، فاقدة البصر، قوة عمياء تزعزعت عناصر البقاء فيها، فلا ينفعها عون من هنا ومساعدة من هناك، تلك هي حقائق موازين القوى في زمن الانتصارات الموقعة باسم الرضوان، كيان غاصب تهالك، منذ بداية القرن، انهدمت أسس قيامه، وتهافتت فكرة بقائه، بيت لا سقف له ولا جدران، ومتى كان لسارقٍ او مغتصب أن يقيم مما يسلب ما يجلب البقاء له. بيت هو على الحقيقة أوهى من بيوت العنكبوت.

4

الجيم أول الجمال، وأول الجلال، أول الجمعة والجماعة والجهاد والجوهر ومستقر الشجاعة، الجيم أول الجنوب والجولان والجليل، المثلث المقدس الذي كان في مرحلة من مراحل الصراع المنطقة الأكثر حشداً عسكرياً في التاريخ، بحساب القوات العسكرية المحتشدة فيها بالنسبة إلى مساحتها الجغرافية، المثلث المقدس ذو الأبعاد الرمزية عند أهله، في فلسطين وسوريا ولبنان، العقدة الصعبة على الاحتلال، والمدى المفتوح على صناعة النصر، والصلاة الدائمة الحضور، في تسبيحة عشق الأرض والإنسان، ودورة آدم في مسيرة الأنبياء.

هذا المثلث المقدس، قمة صادحة بأبواق الفوز وطلقات الثأر، وخطوات الحضور المتوّج بتراث معنويّ يمتد على مسافة التاريخ في حركة الإنسان السائح على الأرض الواسعة بين القمم العالية والسفوح الفسيحة.

أيتها الأرض الغناء الأبدي للرعاة، ومسالك الزهاد للسماء، وأنشودة العشق للأصفياء… على تربتك الطاهرة كسبت حرباً جديدة، مختلفة عن غيرها، في المعنى وفي المبنى، في قدرة الزمن النفسيّ الذي يحتضن اللحظة، الكافية، للضغط على الزناد، وإنفجار القنابل في مركبات وجنود الأعداء، واحتشاد في لحظة، جمعت فيها كل معاني الانتصار.

أيها الرجال الشجعان، العشاق الميامين، ما الذي فعلتم في حساب الزمن، وكيف لكم أن تبدلوا صورة الزمن العربي، المضرج، بالدماء الطاهرة المسفوكة بخناجر الغزاة وإرهاب البرابرة.

أيها المقاومون القادمون من تاريخ الأمة النافذون، إلى مستقبلها، الصادقون مع قضاياها الصانعون عزتها، الشجعان، البواسلُ المدهشون.

ما الذي فعلتم، حين وفيتم بالعهد، مع كل الشهداء، كما يفعل الأبناء البارون، ألم يكن كل من جهاد والأصحاب من شهداء الطريق إلى القدس صورة مضافة لمصداق الحديث “أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم” إلى طريق المقاومة والعزة والكرامة وصناعة الأوطان، بالشهادة والحرية، شهوداً على هذا العصر العربي، أيقونة عميقة الرموز والأسرار مبنية على صخرةٍ من حرمون، وتراتيل من بيت لحم، وصلاة جماعة من القدس، وعشق من شيراز وعرفان من جبل عامل أنتم فيما فعلتم صوت الأمة ووعد الانتصار.

كم سيشغل عشق الرضوان حرية الأرض، كما يحرس أبوااب الجنان.

5

أيها العشق المشتعل بأنوار نينوى العابق بطيب ورد الشام، أسعفني على الوصف، إني مترع بالكلام إن قولي مشحون بوجد شعبي وجهاد القائمين مورد حبي…

ما الذي يجعل الشهداء شاهدة الأرض، تستقيم على صراطها، وتميل مع القلب إلى الحق.

ما الذي يجعل البلاد شغفاً للعباد ؟ هل هي الأسطورة القديمة عن الإثم الكنعاني، يتناقلها رجال الجبال ورعاة الحقول وروح الأرض الخصبة في سوريا القديمة الموزعة الأغنيات على ضفاف الأنهار وشواطىء البحار

بحارة من صور أنتم وشعراء من عامل أنتم، مزارعون من البقاع المجنح بقمم الجبال أنتم.. فرسان من الشمال قادمون مع شموخ الأرز أنتم. عرفاء من أفامييا وأنطاكية الحكمة أنتم، علماء من حضارة الرافدين، في مدارس الكوفة والبصرة وبغداد أنتم، قداسة القدس والحرمين، والعشق النجفي أنتم راية مرفوعة في أرض آدم الأحرار أنتم.

أيها الأعزاء أنتم

عرفتم أننا اشتقنا إليكم

وجئتم…

رجال الله… أهلاً بكم.. شكراً

د. طراد حمادة | العهد

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى