في انتظار كوليت

الياس خوري | أين زياد عيتاني؟ وإلى أين وصل التحقيق في قضية التجسس للعدو الإسرائيلي التي اتهم بها الممثل اللبناني الكوميدي وقادت إلى اعتقاله في 23 تشرين الثاني- نوفمبر عام 2017؟

بعد ضجيج إعلامي اجتاح الفضائيات والصحف اللبنانية وتحول إلى قضية على وسائل التواصل الاجتماعي، اختفت أخبار التحقيق، وأسدلت ستارة من الصمت على صخب إعلامي كان كافيًا لتحويل عيتاني من مشتبه به إلى متهم، ومن ممثل مسرحي إلى جاسوس!

كنت كغيري من الناس أتابع وقائع الحملة الإعلامية على الممثل، وأشعر بالحيرة أمام مصير شاب لا تنقصه الموهبة، قيل أن سذاجته أودت به إلى هاوية العمالة لإسرائيل. فالعمالة جريمة لا يمكن تبريرها أو الدفاع عنها، والعميل مهما تكن أسباب سقوطه في هذا المستنقع الآسن، لا يستحق سوى العقاب.

لكن سرعان ما بدأت الأسئلة، فالشكل المسرحي الذي اتخذته التسريبات الصحافية، وحملة التخوين التي صاحبتها، وشخصية المدعوة كوليت فيانفي، ومجموعة من التهم التي لا يستطيع المنطق استيعابها: من مراقبة وزير الداخلية نهاد المشنوق والوزير السابق عبد الرحيم مراد (قيل إنه كان ضالعا في مؤامرة لاغتيالهما ثم سحبت هذه التهمة) إلى تحليل الوضع الديموغرافي في لبنان، لتصل «إلى العمل على تأسيس نواة لبنانية تمهّد لتمرير مبدأ التطبيع مع إسرائيل، والترويج للفكر الصهيوني بين المثقفين»، كما جاء في بيان مديرية أمن الدولة. هكذا أنيط التطبيع الثقافي مع العدو الإسرائيلي بالممثل زياد عيتاني!

من جهة أخرى فإن أشكال الاتصال التي اعتمدتها المخابرات الإسرائيلية ساذجة ومكشوفة، ما أثار الشكوك. هل يُعقل أن يكون الانحطاط قد وصل بحهاز الموساد الإسرائيلي إلى هذا الدرك من البلاهة؟ وهل يمكن تصديق حكاية العمل مع المخابرات الإسرائيلية لقاء 500 او ألف دولار أمريكي شهريا، قيل إنها كانت تُدفع له من أجل تحسين مظهره وشراء الثياب؟

قصة أشكال الاتصال التي تسربت من التحقيق كانت كافية وحدها لطرح سؤال حول صدقية ما ينشر ويبث، لكن هناك من قال إن الرمال اللبنانية المتحركة قد تدفع أجهزة استخبارات محترفة إلى البلاهة، ألم تشر قضية تهريب المتفجرات بسيارة الوزير السابق ميشال سماحة إلى نضوب خيال المخابرات السورية لدرجة أنها ورطت شخصية عامة في عمل إرهابي مفضوح، أم أن هناك في الأجهزة السورية من أراد توريط سماحة ومعاقبته لسبب نجهله؟

هل أراد جهاز الموساد توريط عيتاني؟ أم أن القضية لا تعدو أن تكون عملا مسرحيا رديء الإخراج، صنعه الصراع بين الأجهزة الأمنية اللبنانية؟ أم ماذا؟

لم يكن في مقدورنا إثارة الأسئلة، فالقضية أمام القضاء، وعلى القضاء أن يقول الكلمة الفصل مبددا الشكوك أو مؤكدا التهم التي حولت بعض الصحافيين إلى ما يشبه المحققين وهم ينشرون ما قيل انه محاضر التحقيق.

لكن القضاء صمت فجأة، التسريبات الإعلامية توقفت بعدما بدا أن تلطيخ سمعة بعض الصحافيين، الذين قيل إن عيتاني كُلف بمتابعتهم، صار أشبه بالفضيحة. إذ صارت قضية عيتاني مشجبًا لإثارة الرعب، وتحويل كل فنان أو صحافي لا ينتمي إلى معسكر سياسي معين إلى مُتهم بالعمالة حتى إثبات العكس.

وبرغم أن القضية دخلت في سبات لا نعرف له سببا، فإن حكاية المدعوة كوليت فيانفي، التي وصفها مقال لرضوان مرتضى في جريدة «الأخبار» (25 تشرين الثاني- نوفمبر 2017) بأنها «فتاة سويدية ثلاثينية بيضاء طويلة ذات شعر أشقر وعينين خضراوين»، تثير الخيال، وتستحق أن تكون بطلة مسرحية كوميدية تكشف عن عمق الهاوية التي وصلنا إليها.

قيل إن المتهم اعترف، وقيل إنه نفى صحة اعترافاته عندما أحيل إلى القضاء والله أعلم، لكن المثير هو أن قضيته صار اسمها كوليت. هل كوليت موجودة ام أنها من نسج الخيال، هل كل الحكاية يمكن تلخيصها بعلاقة عابرة عبر الإنترنت مع امرأة مجهولة، أم أنها مجرد اسم بلا مسمى؟

جاء في الصحف أن كوليت كانت تستعد لزيارة لبنان والإقامة في فندق البستان، حيث ستقوم مع مرافق لها بتدريب المتهم على التجسس. لكن كوليت لم تأت، والسبب هو اعتقال المتهم قبل مجيئها الذي كان من المقرر أن يكون في 2 كانون الأول- ديسمبر، فلِمَ لَمْ يصبرأمن الدولة بضعة أيام، ويعتقل كوليت متلبسة؟

لا ندري، فالجهات التي دأبت على تسريب أخبار التحقيق مع زياد عيتاني، قررت أن تلتزم الصمت. وهذا يدعو إلى التساؤل، لِمَ كانت الضجة إذا؟ لنفترض أن زياد عيتاني ليس بريئا، أو لنفترض براءته، فإن التسريبات قامت بإحراق التحقيق وتحويل قضية كبرى إلى نميمة كتلك النمائم التي تحفل بها وسائل التواصل الاجتماعي.

لِمَ النميمة؟

هل كان الهدف من وراء لعبة التسريبات إخافة المثقفين والصحافيين وتعميم فكرة أن الاتهام ممكن دائما، وأن تلويث السمعة أكثر فاعلية من القتل؟

وماذا لو كانت كوليت غير موجودة؟ وماذا لو كانت كل المسألة سوء قراءة؟

من سيدفع الثمن؟

ومع ذلك فأنا كغيري من الناس ما أزال في انتظار كلمة القضاء كي يبدد هذه الغمامة من الأسئلة.

أما كوليت فلا تنتظروها فقد تكون مجرد حكاية.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى