في القصير… رأيتُ رجال الله

فيصل الأشمر – القصير

متنقلاً بين الشوارع المليئة بحطام المحلات التي نهبها التكفيريون والأعمدة والأسطح المتساقطة من بقايا الأبنية التي كانوا يتحصنون فيها، تلمح شاباً بكامل عتاده العسكري، في وقفةِ “جهوزية مدهشة”، تتحول حين يبصرك إلى وقفة حذر مع إشاحة الوجه إلى ناحية أخرى، راجياً منك أن لا يكون موجوداً في الصور التي تلتقطها.هذا الشاب تشاهد بعضاً من رفاقه في أماكن متفرقة في مدينة القصير وما حولها. بعضهم يقف وحيداً عند زاوية، وبعضهم يقف في مجموعة من عدة شبان في وضعيات قتالية متأهبة أو جالسين يتحدثون ويضحكون لنكتة واحد منهم أو لموقف مرّ به أحدهم.

هؤلاء الشبان لا تستطيع التمييز بينهم وبين مجموعات الجيش السوري النظامي الموجودين في المدينة إن لم تسمع لهجاتهم الجنوبية والبقاعية. فالبزات العسكرية المموهة المرقطة هي نفسها لدى الشبان وعناصر الجيش السوري، والبنادق هي نفسها أيضاً. يشذ عن هذا، البزات المميزة لبعض الشبان من الوحدات القتالية الخاصة، ذات اللون المميز، والتي تخبرك أن لابسيها ليسوا من الجيش السوري النظامي.

يرتاح إليك الشباب حين يعرفون أنك جئت لتكتب عن القصير والجيش السوري الذي حررها وأعادها إلى وطنها وأعاد أهلها إليها من وجهة نظرك الموافقة لوجهة نظرهم هم. يحدثونك عن أن وجودهم هنا له غاية وحيدة وواضحة: مساعدة الجيش السوري في الوقوف في وجه التكفيريين المدعومين من الغرب وبعض الدول العربية، والذين لهم هدف واحد لم يخفوه في تصريحاتهم: إنشاء إمارات تحت اسم الإسلام لا علاقة للإسلام بها. وحين تسأله عن حجم هذه المساعدة يقول: إنها مساعدة محددة في بعض الأمور العسكرية، ويرفض أن يزيد.

ويحين موعد صلاة الظهر. لا ماء في المسجد الذي نظفوه من آثار التخريب على أيدي ‪”‬التكفيريين‪”‬. لكن قناني الماء الصغيرة موجودة لأجل الوضوء. وبدل أن تكون معهم مصلياً في صفوفهم تنزوي في لحظة إطمئنان، جانباً، لتراقبهم وهم يناجون ربهم في خشوع، لم تكن لتتخيل رؤيته في أرض معركة.

بعد الصلاة لا بأس بتناول ما تيسر وجوده من طعام. لا يهتمون بنوع ما تيسر وجوده منه. قد يكون طعاماً جاهزاً معداً في مطبخ لهم، وقد يكون بعض الخبز والمعلبات. لا يهم، فعلى الجبهة آخر ما يفكرون به نوع الطعام.

ينتهي النهار سريعاً، ولا بد من العودة إلى بيروت. تعود إلى بيروت سعيداً بمن رأيت، وحزيناً لأنك لا يمكن أن تعرض صور الذين التقيت بهم، مكتفياً بأن تقول بينك وبين نفسك: في القصير رأيت رجال الله.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى