فول صور قمر رمضان

سوزان الفقيه

قبل ستون عامًا، كان لمدينة صور عاداتها الرمضانية الخاصة كما هو حالها اليوم. ولأن أهالي ذلك الزمان كانوا فقراء وبسطاء لم يكونوا ليعرفوا الكثير من أنواع المأكولات والحلويات. الليموناضة، السحلب، حلو المعلّل، التمور، عجينة البقلاوة وقمر الدّين كانت أكثر الحلويات التي زينّت موائدهم الرمضانية.

رحلة صنع السحلب في مدينة صور بدأت في العام 1950 على يد عائلة زيدان. حيث تعلّمها فردين من هذه العائلة في سوريا وعادا ليصنعاها على بوابة صور القديمة. بداية، كان شراب السحلب الساخن، المكوّن من الحليب، الماء، السكّر، السحلب التركي، وماء الزهر، الشراب الأكثر شهرة في فصل الشتاء. ومع الوقت أصبح الشراب الأكثر تناولًا في رمضانيات ذلك الوقت. وفي وقت السحور، كان الباعة يجرّون عرباتهم في الاحياء ليبيعوه. والبعض الآخر كان يحمله في جرّة على خصره ويجول بها ليعود بها فارغة عند ساعات الفجر الأولى. انتشار فكرة شراب السحلب في المدينة جعلته يكتسب رمزيّة خاصة ليعدّ فيما بعد جزءا من تراث مدينة صور. إلا أنّه ومع التطورات التي غزت المدينة يومًا بعد يوم، ومنذ ثلاثين عامًا بدأ وهج السحلب ينطفأ ليصبح اليوم شرابًا لا يقصد تناوله إلا من عاصر ذلك الزمان وبعض من الجيل الجديد. فبحسب الحاج إبراهيم زيدان(57 عامًا)، صاحب محل السحلب على بوابة صور والذي ورث هذه الصنعة من أبائه واجداده الذين استحضروها إلى هنا، “فإنّ جيلنا الجديد يجهل هذا النوع من الشراب والقليل فقط من يعرف عن تاريخه. ولهذا هم يحاولون قدر الإمكان تعريف هذا الجيل على خصوصية هذا الشراب التاريخي للمحافظة على رمزيته كتراث قديم. ومن هنا كان الإصرار على صنعه في النصف الثاني من شهر رمضان من كل عام”.

السحلب الذي خفتت شهرته في أيامنا بعدما عاش أيام عزّ سابقا بعد أن زاحمته أنواع الشراب المختلفة، ينافسه اليوم طبق الفول الذي عرفته المدينة أيضًا في العام 1950 بعد أن اسست له عائلتي بارود ومزرعاني. وهاتان العائلتان لا زالتا إلى اليوم أشهر من يقدّم هذا الطبق في المدينة. لم يكن الفول انذاك معروفًا بتناوله على السحور كما نرى اليوم. كان فقط الطبق الأشهى والمعروف بجودته على صعيد لبنان . فمدينة صور كانت ومازالت تقصد من الغرباء والأقرباء لتناول هذا الطبق السحري. وما كان يميزها آنذاك هو تحضير هذا الطبق عن طريق وضع الفول في أقدار من الفخار وطهيها على مواقد الحطب طوال الليل بعد إضافة الماء الساخن لها من وقت لآخر، الأمر الذي كان يكسبه نكهة خاصة تذوب لها القلوب. بعكس الفول المحضّر على الببّور في المدن الأخرى .” ومنذ ثماني سنوات بدأ الفول يعرف طريقه إلى موائد السحور في شهر رمضان ليصبح اليوم الصحن الرئيسي ليتهافت الناس على المحلات بأعداد هائلة في وقت السحور ليستمتعوا بالرغيف الساخن على الحطب الذي يقدّم معه إضافة إلى الخضر المتنوعة وزيت الزيتون”. يخبرنا أبو حسن غدّار(73 عامًا-صور”) مسترجعًا الأحداث في ذاكرته.

وربما كان الفول والسحلب من الأسماء المعروفة في عالم الاطعمة للمدينة فيما مضى إلى اليوم. لكننا نجد في وقتنا الحالي أشكالا وألوانا من الاطعمة والحلويات التي لا يعدّ لها عدد. من المدلوقة والقطايف وزنود الست إلى الشعيبيات وحلاوة الجبن والجلّاب وغيرها من الاطعمة التي باتت تشكّل الصورة الأوضح لرمضانيات المدينة. ومع هذا يؤكد غدّار لنا أنّ اكثر ما يميز صور في شهر رمضان عن المدن الأخرى وجود هذا العدد الكبير من الخيم البحرية التي تمتد على طول الشاطئ. فتعجّ بالناس الذين يقصدونها من كل حدب وصوب لتناول وجبات السمك في الإفطارات وأوقات السحور.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى