فوضى عارمة في بعض المؤسسات التربوية بالوطن العربي

تشهد بعض الدول العربية مؤخرا حراكا إحتجاجيا و إجتماعيا متواصلا للمدرسين و فوضي عارمة داخل أغلب المؤسسات التربوية. إن هذه الإضرابات العامة المتتالية أثرت مباشرة علي المستوي العام للتعليم بشتي فروعه و أقسامه إبتداءا من الإبتدائي إلي الثانوي وصولا إلي التعليم العالي. فهذا الخلل في المنظومة التعليمية و التربوية بالدول العربية كان سببه الرئيسي يكمن بالأساس في هشاشة الأسس التنظيمية التقليدية و التسيير البيداغوجي السيئ في كافة وزارات التعليم بتلك الدول.

و لعل من أبرز تلك العوامل التي ساهمت في تراكم هذه الأزمات خاصة في بعض الدول نذكر منها الأردن, تونس و المغرب هو السوء العام في سياسة الإنتدابات الوظيفية وفقا لكفاءة التدريس أو التباطؤ في عملية خصخصة قطاع التعليم بالكامل و إعادة تأهيله حتي يواكب المستوي الدولي. أما الرهان المستقبلي يبقي دائما متمثلا في تنمية و تطوير الموارد البشرية قصد التحكم في تقنيات تكنولوجيات المعلومات و الإتصال الحديثة حتي تواكب تحديث المدارس و المعاهد و الكليات الرقمية وفقا لمعايير التعليم الإلكتروني و الإفتراضي و الذي قطعت فيه بعض الدول الخليجية أشواطا طويلة.

إضرابات و إحتجاجات متواصلة

إن البعض من المدرسين يعتقدون أن خزينة الدولة هي مطمورة روما أو تلك البقرة الحلوب التي تدر عليهم كنوزا و أموالا طائلة و ذلك عبر التلويح بتعطيل دواليب الدولة قصد مطالبتها بالمزيد من الزيادة في الأجور. أما في المقابل فكانت الحكومة لا تهتم كثيرا بالظروف المعشية لتلك الطبقات بحيث كانت تقوم بعملية ضرب عصفورين بحجر واحد يعني الإنتداب العشوائي لبعض المدرسين بصفة مؤقتة لسد ثغرة الشغور في الوظيفة بصفة نائب متعاقد مع إستغلال تلك الموارد البشرية بأجور زهيدة مقارنة برواتب المدرسين المرسمين بصفة دائمة. بالتالي كانت هنا الكارثة العظمي التي تسببت في إنفجار تلك البراكين الهائجة داخل المؤسسات التربوية في أغلب الدول العربية.

كما كانت لتلك السياسات الفاشلة في التشغيل و الغير مدروسة خاصة إذا طال أمدها من أجل الحد من نسبة البطالة نتائج وخيمة علي جميع الأطراف بحيث أصبحت تلك الفئات تعتقد أنها تلقت تلك الوظيفة الدائمة و القارة, بالنتيجة أصبح التلميذ ضحية تلك التجاذبات التفاوضية. فقد تسبب ذلك الخلل التنظيمي في إنحطاط كبير و إحباط شعبي عميق إنعكس سلبا علي مستوي الدراسة بأغلب تلك الدول العربية بحيث ساهم في خفض درجة الترتيب الدولي لتلك المؤسسات التربوية. فعلي الرغم من الإنتدابات التي كانت غير عادلة مع كفاءة بعض المدرسين, إلا أنه في المقابل لم تكن هناك رؤية إستشرافية مستقبلية نحو تطوير مستوي التعليم بصفة عامة. بالنتيجة أضحي التلميذ و الولي هما الضحية و المتضرران الرئيسيان بسبب تلك الصراعات الداخلية بالمؤسسات التربوية التي تحولت في مجملها إلي مؤسسات فوضوية.

خصخصة قطاع التعليم

لمجابهة هذه الأزمات المتراكمة و المتواصلة منذ سنين طويلة إتجهت بعض الدول العربية و ذلك بالتنسيق مع بعض المؤسسات الدولية علي غرار صندوق النقد الدولي نحو خصخصة أغلب المؤسسات التربوية و إعتماد معيار التأهيل الشامل المواكب للتطورات التكنولوجية العالمية في قطاع التعليم. إذ برزت في هذا الإطار سلسلة من الإغلاقات للمدارس الإبتدائية الحكومية نظرا لنقص عدد التلاميذ أو توجه البعض الآخر نحو مواصلة الدراسة بالقطاع الخاص نظرا لإستمرار الإضرابات العامة عبر التمرد و العصيان المدني لأغلب المدرسين. فبالنتيجة كانت الأحداث كارثية علي جميع الأصعدة من مقاطعة الإختبارات أو رفض التدريس وصولا إلي تعطيل السنة الدراسية بأكملها من أجل الضغط علي المؤسسات التعليمية الحكومية للإستجابة لمطالب المتعاقدين قصد تسوية وضعيتهم و إنتدابهم بصفة دائمة. أما أحدث تلك الإحتجاجات الشعبية للمدرسين و أكبرها كانت بالأردن خلال الثلاثي الأول من سنة 2018 بحيث تسببت في الإطاحة بالحكومة.

بالتالي كان لسوء تقدير تلك الأحداث المستقبلية و الضعف في دراسة الأوضاع الإستشرافية لقطاع التعليم نتائج مأسوية علي ظروف عيش المدرسين و الأولياء و التلاميذ. ففي هذا الإطار كان من واجب تلك الحكومات العربية إيجاد تسوية شاملة و كاملة لجل المتعاقدين بصفة مؤقتة إما بتسوية وضعيتهم عبر صرف لهم مبلغ مادي يسمح لهم بإنجاز مشروع صغير علي غرار إنشاء مشروع مدرسة رقمية أو بتوجيههم نحو التدريس بالقطاع الخاص. أما بالنسبة لبقية المؤسسات التعليمية العامة كان من واجب تلك الحكومات التعجيل بالتفريط فيها للقطاع الخاص و ذلك بالنسج علي منوال التجربة التعليمية بدول الخليج العربي.

عموما تعد المؤسسات التربوية الخاصة و إستغلال تكنولوجيات المعلومات و الإتصال الرقمي في قطاع التعليم الإلكتروني الحدث البارز حاليا بحيث ساهمت في خلق العديد من فرص الشغل القارة و بمواكبة المتغيرات و التطورات العالمية. إذ مع بروز و تنامي ظاهرة المدارس و المعاهد الرقمية و الجامعات الخاصة أو الإلكترونية و الإفتراضية بدأ يتلاشي تدرجيا عائق التشغيل و إحتجاجات المدرسين في قطاع التعليم العمومي خاصة منها المطالبة بالزيادة في الأجور أو تسوية الوضعية لتسمح لهم بالإندماج في القطاع الخاص أو في الفضاء التعليمي الرقمي.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى