“فوبيا” السيارات المفخخة..

الناس خائفون من السيارات. اللبناني الذي طالما خاض السباق لاقتناء السيارة الأفضل، ولو بالاستدانة، ها هو اليوم ينظر إليها بعين الذعر. ليس للموت الكامن في السيارات منطق، عكس الحروب المألوفة التي تصنع منطقها الخاص، فهل يكون على الأجيال الحاضرة اعتياد الرُّهاب والقلق واللامنطق؟

كأنّ مصابيح السيارات استحالت عيوناً. أكثر من مليون و200 ألف سيارة مسجلة في لبنان أصبحت كلها من طراز «أم عيون». نشعر كأنها تُحدّق بنا، سائرة أو مركونة، لا فرق. قد تكون هذه أو تلك، حديثة أو قديمة، في هذا الشارع أو ذاك، لا مكان اليوم في لبنان إلا وقلق الموت يحوم فوقه. كثيرون الآن يعيشون هذا الذعر، في لبنان، بعد الانفجارات التي ضربت أكثر من منطقة.

أصيبت رشا بـ«فوبيا» السيارات المفخخة. قالتها علناً. كثيرون مثلها صرخوا قلقين، لكن كثيرين، أيضاً، ما زالوا يكبتون ذعرهم. كان يمكن ألّا تصل الأمور إلى حدّ «الرهاب» لو اقتصرت على انفجار الرويس _ الضاحية، قبل 10 أيام، لكن ما حصل في طرابلس حسم المسألة وعمّقها… لا أمان في هذه البلاد. باتت كل سيارة احتمال عبوة، فرضية انفجار، حتى يثبت العكس. تمشي رشا في شوارع بيروت وضواحيها، وفي رأسها سؤال: «ترى، لمَ يمكن أن يكون هذا الشارع مستهدفاً؟ ماذا يوجد هنا؟». تسارع خطواتها لتخرج من الشارع، لكنها تدخل في شارع آخر، وكل الشوارع احتمالات تفخيخ. كأن الموت يحاصرها. تقول: «هذا مرض جديد يصيبنا، فوبيا السيارات… ليت الشاشات لا تستضيف السياسيين ليستنكروا ويتكاذبوا، بل أن يستضيفوا محللين في علم النفس، ليخبرونا كيف يمكن أن نتعالج من هذا المرض المستجد. مرضنا اليوم اسمه سيارة سيارة سيارة».

حبيب، هو الآخر، يعاني «فوبيا» السيارات. لقد غرق في الذعر إلى حدّ تقسيمه أنواع السيارات من حيث حجمها، فالكبيرة «مخيفة أكثر». الكبيرة يمكن تفخيخها بكمية أكبر من المواد المتفجرة. هو ليس خبيراً من وحدات الهندسة العسكرية، بالتأكيد، وبالتالي تقوم حساباته الآن على الحجم فقط. قبل أيام كان يمرّ في منطقة طريق المطار، عند مدخل حارة حريك، حيث ازدحام السير أحياناً يجبر من في السيارات على تأمل السيارات الأخرى. من سوء حظ حبيب، المرعوب تلقائياً، أن سيارة الأجرة التي يركبها وقفت إلى جانب شاحنة ضخمة. هدير المُحرّك يزيد من ذعره. «نكزه» سائق الأجرة ليلتفت إليه، قائلاً له: «تخيّل لو أن هذا الكميون مفخخ وانفجر الآن… أين نصبح؟». قالها السائق، واصطنع رسم ابتسامة على وجهه، بدت كمن يتصنّع الاستخفاف ليغطي على كثير من القلق، كأن الخوف هنا شيء من قبيل «العيب». لم يكن ينقص حبيب سوى سائق كهذا. «الحديث عن كميون مفخخ. تخيّلوا!».

اعتاد صالح رصاص طرابلس الذي لا يهدأ، خلال السنوات الأخيرة، إلى درجة مشاركته شخصياً في إطلاقه أحياناً. الرجل «عنيف» ولا يشبه أصحاب الطباع الهادئة. لكن حتى صالح، بعد انفجاري طرابلس، أصيب بشيء من «فوبيا السيارات المفخخة». يبدو أن لا كبير أمام «آلة الموت» هذه. بالنسبة إليه، بعد معرفته أن إحدى السيارات التي انفجرت كانت حديثة وفارهة، ليست «مكركعة» أبداً، فإن «كل السيارات أصبحت مشتبهاً فيها. يبدو أن من يقف خلف هذه التفجيرات جهة تملك الكثير من المال، أو خبرة واسعة بالسرقة، ويمكنها الاستغناء عن سيارة يفوق سعرها 20 ألف دولار مثلاً، ليفجرها في الفقراء والمساكين». في الواقع، أولئك الذين أصابهم موت تلك السيارات، في الضاحية وطرابلس، هم أفقر الفقراء على الإطلاق. بعضهم كان «ممن لا يملك قوت يومه».

كيف يواجه هذا النوع من الموت؟ اللبنانيون قديماً، خلال الحرب الأهلية، خبروا السيارات المفخخة، لكن اليوم ثمّة أجيال لم تعتدها بعد. تقف مذهولة أمام الذعر الآتي من آلة المعدن تلك التي تسير على دواليب. يُقال إن البعض يلجأون إلى السخرية مما يفوق قدرتهم على المواجهة. ربما بهذا المعنى تُفسر الصورة التي انتشرت، أخيراً، لسيارة تسير في الشارع وقد طبع صاحبها على زجاجها الخلفي عبارة: «لا تلحقني ملغومة». شيء من الكوميديا السوداء.

لا يجد أستاذ علم الاجتماع في الجامعة اللبنانية، الدكتور طلال عتريسي، ما يُعرّف به هذه «الفوبيا» المستجدة سوى القول: «إنه الخوف من المجهول… المجهول هذه المرّة الذي لا يؤدي إلى ضياع أو ارتباك أو حتى أذى بسيط، بل هو الذي يؤدي إلى الموت». ويوضح: «هذا يزيد مستوى التوتر، وخاصة أن هذا الرعب _ المجهول لا قانون له ولا منطق، عكس الحروب التي تفرض منطقها، والتي يمكن الناس أن يفروا من بقعها الجغرافية، أما مع السيارات المفخخة فلا منطق».

حسناً، هل من نصيحة للناس؟ يُفضل عتريسي أن يكون واقعياً. «هذا واقع محرج فعلاً. أي نصيحة يمكن أن تُقدم للناس في ظل اللامنطق؟ الناس أنفسهم بدأوا بصنع منطقهم الخاص في وجه لامنطق السيارات المفخخة، فشاعت اليوم مسألة تفضيل عدم التجمّع في الأماكن العامة، والتخفيف من التنقلات غير اللازمة». طبعاً، لا يمكن الاستمرار طويلاً في نمط حياة كهذا، وبالتالي إلى جانب الحذر لا بد من «عدم الاستسلام، وعدم الغرق في التفكير بهذا الأمر».

اختصاصيو علم النفس ليس لديهم تصنيف أيضاً، على نحو خاص، لرهاب (فوبيا) السيارات المفخخة. لكن يمكن العثور في لائحة «الفوبيات» الطويلة على حالة اسمها الـ«موتورفوبيا». هذه الحالة تقتصر على الخوف من السيارات عموماً، أو من قيادتها أو ركوبها خصوصاً، وتنشأ بسبب حوادث تعرّض لها الشخص أو أحد أقاربه وغير ذلك. لكن الحالة في لبنان مختلفة؛ فالكلام على سيارات مفخخة، وبالتالي ربما على اتحادات علماء النفس في العالم أن يضيفوا نوعاً جديداً من الرهاب إلى لوائحهم. من قال إن البلاد العربية غير مُبدعة في العصر الحالي؟ ها قد أضافت جديداً «مميتاً».

عضو الجمعية الأوروبية للعلاج النفسي، الدكتور عباس مكي، ينصح اليوم بـ«الذهاب إلى الأماكن المفتوحة والمريحة، البحر أو الطبيعة وما شاكل، مع الأخذ بالاعتبار الحذر طبعاً. لا بد من الهدوء والاستفادة من الإيمان، بأشكاله كافة، لأن الحالة التي نواجهها اليوم مع السيارات المفخخة لا تشبه التعاطي مع القضاء والقدر، كما اعتدنا، بل ثمة ما يشبه القدر المُخطط له… وهذا ما يزيد الهلع». ويضيف مكي: «المصاب بهذا النوع من الفوبيا يتخيّل كيف سيموت، تفقد السيارة في خياله صورتها النفعية لتأخذ شكلاً آخر. ينتقل من الواقع المعتاد إلى الخيال المضمر، وفي تلك اللحظات يُغذي خياله بالكيفية التي يتوهم أنه سيموت فيها من خلال الصور التي في رأسه، المكتسبة مما شاهده في وسائل الإعلام خلال الأحداث الأخيرة».

هكذا، لا حلول سحرية للناس المذعورين في لبنان، الذين باتوا اليوم أكثر فهماً لحال العراقيين خلال السنوات العشر الماضية، وكذلك حال السوريين أخيراً. الناس الذين يُتوقع أن يبتدعوا أساليبهم الخاصة لعدم الاستسلام، إصراراً على الحياة، في وجه الموت القادم إليها هذه المرّة على شكل… «سيارة».

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى