فتشوا عن الموساد والسي اي ايه والمخابرات البريطانية

ينقل الصحفي المعروف “روبرت فيسك” عن وليد جنبلاط وفي معرض سؤاله عن اتفاقية سايكس بيكو زمجرة الأخير في وجهه بأن “سايكس-بيكو إنهارت وماتت..”. ليس هذا وحسب بل كثرت في الآونة الأخيرة الأحاديث العفوية والتحليلات المدروسة عن تلك الاتفاقية الخبيثة والتي قارب عمرها المئة عام، وعن غيرها من الاتفاقيات والوثائق السرية كوثيقة كامبل بنرمان السرية عام 1907 والتي شكّلت النواة الأساسية للعديد من الاتفاقيات ومنها سايكس بيكو وبعدها وعد بلفور ومؤتمر فرساي ومؤتمر سان ريمو ومعاهدة سيفر ومعاهدة لوزان وصولاً إلى دراسة برنارد لويس حول ضرورة تفتيت العالم الإسلامي عام 1948.

إن ما يجري من حولنا يكشف لنا أن كل هذه الأحاديث عن اتفاقيات ووثائق تاريخية ليست أحاديث غنائية. وفي ظل الضبابية التي تخيم على عالمنا العربي ربما يحتاج المرء لقراءة أدق في مضمون هذه الإستراتيجيات المرسومة بعناية في سياق السيطرة والهيمنة على هذا المكون العربي الذي خافت وحدَته كل الدول الغربية لأن في هذه الوحدة على حد اعتبارهم خطراً وجودياً عليهم وقوة عالمية لا يستهان بها تجمعها اللغة والدين والأرض لذلك عملت بكل مقدّراتها وقُدُراتها على دراسة هذه الحالة العربية والإسلامية وابتكار كل أساليب التفريق وبث النزاعات وتقسيم المناطق على أسس عرقية ودينية وإثنية.

في هذا السياق يجد المرء نفسه مدفوعا لإعادة قراءة التاريخ ومراجعة الوثائق والمؤامرات والخطط التي حضّرت لهذا الوطن العربي الذي لم يعرف الاستقرار, ولا يستطيع أحدٌ أن يجزم بإدراكه، فهل ما جرى ويجري مؤخراً هو أمر عشوائي أم مخطط مدروس؟

تفجرت في بدايات العام 2011 الثورات العربية المتلاحقة أو ما سمي وقتها بـ”الربيع العربي” مما كان له دور كبير في طرح الكثير من التساؤلات الرئيسية حول الإستراتيجيات الدولية والإقليمية الموضوعة لتقسيم وتجزئة وتفكيك الوطن العربي إلى دويلات على أسس مذهبية وعرقية ودينية. فالوطن العربي ككتله اندماجية واحدة يشكل خطراً كبيراً على المصالح الغربية والأمريكية والصهيونية. وقام العديد بالكتابة بإسهاب عن الخطط الموضوعة سلفاً لهذه المنطقة لأن ما كان يحدث لم يكن عبارة عن ثورات عفوية قائمة على الخروج من قيود سلطة احتكارية ظالمة وإن كانت بالشكل الظاهري كذلك. وما قاله “برنارد لويس” في إحدى المقابلات الصحافية معه خير دليل على الفكر والمنهج الذي يجب أن نتنبه له مع كل ظاهرة جديدة ودراستها والتفكر بها قبل تبنيها، حيث قال: ” ان العرب والمسلمين قوم فاسدون مفسدون فوضويون لا يمكن تحضرهم واذا تركوا لانفسهم فسوف يفاجئون العالم المتحضر بموجات بشرية ارهابية تدمر الحضارات وتقوّض المجتمعات ولذلك فإن الحل السليم للتعامل معهم هو اعادة احتلالهم واستعمارهم وتدمير ثقافتهم الدينية وفي حال قيام اميركا بهذ ا الدور فإن عليها ان تستفيد من التجربة البريطانية والفرنسية في استعمار المنطقة لتجنب الاخطاء والمواقف السلبية التي اقترفتها الدولتان.

انه من الضروري اعادة تقسيم الاقطار العربية والاسلامية الى وحدات عشائرية وطائفية ولا داعي لمراعاة خواطرهم او التأثر بانفعالاتهم وردود الافعال عندهم .. ويجب ان يكون شعار اميركا في ذلك، اما ان نضعهم تحت سيادتنا او ندعهم ليدمروا حضارتنا، ولا مانع عند اعادة احتلالهم ان تكون مهمتنا المعلنة هي تدريب شعوب المنطقة على الحياة الديمقراطية .. وخلال هذا الاستعمار الجديد لا مانع ان تقوم اميركا بالضغط على قيادتهم الاسلامية ، دون مجاملة ولا لين ولا هوادة، ليُخلّصوا شعوبهم من المعتقدات الاسلامية الفاسدة ، ولذلك يجب تضييق الخناق على هذه الشعوب ومحاصرتها واستثمار التناقضات العرقية والعصبيات القبلية والطائفية فيها قبل ان تغزو اميركا واوروبا لتدمر الحضارة فيها “.

ومن منا ينسى تصريح وزيرة الخارجية الأمريكية “كونداليزا رايس” في تل أبيب عن مبادرة الشرق الأوسط الجديد؟ وبعدها صدر الإعلان البريطاني الأمريكي الإسرائيلي المتعلق بـ”خارطة الطريق العسكرية” والتي سعت لإيجاد حالة من الفوضى والعنف لإعادة تجزئة وتفكيك العالم العربي إلى دويلات على أسس عرقية ودينية ومذهبية وأطلق على هذه الحالة اسم “الفوضى الخلاقة”، وتوالت بعدها مراكز الأبحاث والدراسات الأمريكية في طرح تلك الإستراتيجيات، حيث نشرت مجلة القوات المسلحة دراسة عام 2006 للمقدم “رالف بيترز” حول تقسيم الدول العربية وإعادة رسم لحدودها السياسية، ورأى رالف أن الحدود الراهنة هي حدود غير عادلة لأنها لا تتوافق مع التنازع العرقي أو الديني والمذهبي داخل كل دولة، ودعا إلى تقسيم سوريا إلى ثلاث دول، علوية وكردية وسنية، كما ودعا إلى تقسيم العراق إلى ثلاث دول أيضاً دولة كردية ودولة سنية ودولة شيعية، وكذلك ليبيا إلى ثلاث دول تحدد بعواصمها لا بدين أو مذهب وحددها بطرابلس وبن غازي وسبها، أما فيما يتعلق بالسعودية فرأى رالف وجوب تقسيمها إلى خمس دول تكون من ضمنها دولة دينية خالصة تضم مكة والمدينة، كما وطرح فكرة تقسيم مصر إلى دولتين دولة إسلامية تضم الدلتا والقاهرة والإسكندرية ودولة قبطية تمتد عبر الصعيد.

وبالنظر للوضع الراهن على الساحة العربية اليوم فإن هذه الإستراتيجية تجري على قدم وساق، وما كشفه “تشارلز شوبردج” منذ أيام وهو ضابط سابق في الإستخبارات البريطانية حول أن جهازي المخابرات الأميركية “CIA” والإستخبارات البريطانية هما من صنعا “داعش” بتمويل خليجي، يوضّح بشكل قاطع لا لبس فيه اليد الخبيثة وراء ما يجري اليوم.

وقال “شوبردج” في تصريحاته لفضائية روسيا اليوم، إن الاستخبارات البريطانية والأميركية تقفان وراء كل الأحداث التي تعصف بدول الشرق الأوسط مثل سوريا والعراق وليبيا. وأضاف رجل المخابرات السابق: “هكذا صنعنا داعش وهكذا نقرع طبول الحرب ضدها“. وهنا لا يسعني إلا ذكر كلام أمين عام حزب الله سماحة السيد حسن نصر الله في خطابه الأخير في ذكرى الشهداء القادة حين قال: “فتشوا عن “الموساد” و “السي اي ايه” والمخابرات البريطانية في ما يفعله “داعش” والتيار التكفيري”. ومما لا شك فيه أن مواجهة أي إستراتيجية تقسيمية لعالمنا العربي تتطلب تنسيقاً وتكاملاً واندماجاً حقيقياً بين جميع الدول العربية.

وفي نفس الإطار كشفت دراسة أمريكية خطيرة تم تسريبها من أروقة البنتاغون النقاب عن مخطط أمريكي لتقسيم المنطقة العربية قبل 2015، وشملت الدراسة عدداً من المقترحات والسيناريوهات المفترض تطبيقها مرحلياً إلى حين انتهاء الهدف.

ووضعت الدراسة أكثر من 69 سيناريو متوقع لمواجهة شعوب المنطقة على مدار 750 يوماً، وتراهن الدراسة على تحقيق النجاحات المتتالية مع قصر المدة وتعزو ذلك إلى وجود إنقسام إديولوجي وفكري وعرقي وطائفي وصل إلى حد التجذر بشعوب المنطقة، ووصفت المرحلة الراهنة بأنها الأنسب للهجوم في ظل انشغال بعض الدول بالشأن الداخلي، كما واحتوت االدراسة في 600 صفحة على طرق تخدير الشعوب بشعارات الربيع العربي والثورات والغزو الإعلامي عن طرق أكثر من 38 قناة مرئية ومسموعة غير مواقع التواصل الإجتماعي.

كما وتمت دراسة أسماء الشخصيات السياسية والعسكرية ورجال الأعمال ولوبيات محددة موثوق بها من قبل شعبها داخل الخليج ومصر وسوريا تحديداً تقوم بمساعدتها بطرق مباشرة وغير مباشرة لتحقيق الهدف المنشود. وكل الحلول والسيناريوهات المطروحة في الدراسة تتمحور حول عدم تدخل الأطراف الأوروبية وأمريكا في شؤون المنطقة العربية بشكل مباشر إلى عام 2015 حيث تكون ساعة الصفر.

كل ما سبق يعيدنا بالذاكرة إلى تصريح رئيس وكالة المخابرات الأمريكية CIA السابق عام 2006 “جيمس وولسي” حين قال: “سنصنع لهم إسلاماً يناسبنا ثم نجعلهم يقومون بالثورات ثم يتم انقسامهم على بعضهم بعضاً لنعرات تعصبية، ومن بعدها قادمون للزحف وسوف ننتصر!”

فهل سألنا أنفسنا يوماً أو بحثنا عن مصدر كل هذه الأفكار الخبيثه والتي لا يأخذها على محمل الجد إلا كل باحث ومدافع عن الحرية العربية والإسلامية.

ويبقى السؤال…

يقول غارودي كاتب “محاكمة الصهيونية العالمية“، في جملة لا بد لنا من التعمّق في قراءة معانيها: “إنه بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، كان لا بد من إيجاد بديل يجسد دور الشرير، وإمبراطورية الشر التي تجب محاربتها في القارات الثلاث، فكان الإسلام حتى يكون التهديد العالمي للإرهاب مبرراً لاستمرارية وحتى للإسراع من سباق التسلح، وفرض التدخل الاقتصادي أو العسكري في كل أركان العالم. ” فهل كانت نبوءات غارودي حقيقية؟

باتت الأمور اليوم واضحة بما فيه الكفاية ولا مجال فيها للمبالغة أو التهويل، فكل ما يجري على الأرض يفضي إلى أن مخطط التقسيم يجري على قدم وساق منذ فترة، بينما العرب والمسلمون تائهون في وادً من الأوهام، ومستقبلهم مهدد، ومصالحهم الحيوية معرضة للخطر، وأراضيهم تقسّم واحدة تلو الأخرى، ودولهم قاب قوسين أو أدنى من الاضمحلال، وما يؤسف له أن بعضنا يشارك في تنفيذ المخطط عن وعي والبعض الآخر عن غير وعي وهنا المصيبة أعظم، وإذا كانت بلاد الشام والعراق قد تعرضت في غابر الأزمان لقسمة سايكس بيكو، فإن ما يحدث اليوم قد وضع المنطقة العربية على مشرحة التقسيم المتجدد تحت العديد من المسميات، فمنه ما سمي بشرق أوسط جديد، ثم الكبير، ومنه ما تطرحه “داعش” على أن كل ما يحدث هو محاولات لكتابة جغرافية مختلفه لكل ما سبق، جغرافية تدميرية للبنية العربية التي حلمنا و مازلنا نحلم بوحدتها، وعملنا جاهدين لتحويل الحلم إلى متنفس للأمل الذي نتطلع إليه.

إن ما يجب فعله اليوم هو أن نتأمل في واقع الخريطه العربية الراهنة وقراءة وقائعها وأحداثها لرؤية ملامح التقسيم الجاري تنفيذه لإستكشاف مكامن الخطر وماهية الحلول وهذا يتطلب الارتقاء في التعامل مع مجمل قضايا الأمة والتخلص من الأنانية التي تقودنا إلى التشرذم، ما وصل بنا إلى مرحلة الحضيض بين الأمم الأخرى.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه على خواطرنا مِرارًا؛ هل يوجد عقل عربي في موضع مسؤولية أو من العوام أو حتى من نخبتنا العربية التي أصابتها الغيبوبة منذ عقود؛ وأعياها ضعف القدرات يعتبر من الماضي ويعمل لإفشال هذا المخطط؟

علي بحمد | شاهد نيوز

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى