عن قصص لم تنشر في الإعلام الغربي المزدوج المعايير

هو ليس بالأمر الجديد، لكنّه واقعٌ نتناساه في منطقتنا التي اعتادت على العيش بدرجةٍ ثانية، فاقتضى تذكيرنا به عند كلّ قضيةٍ مستجدةٍ تتعامل معها وسائل الإعلام الغربي بتجاهلٍ أو تضليل.

نبدأ من الهجوم الإرهابي الذي تعرّضت له الصحيفة الباريسية الساخرة شارلي إيبدو، والذي أودى بحياة عددٍ من رسامي الصحيفة ورجال الأمن، وما تبعها من احتجازٍ وقتلٍ للرهائن في مكانين آخرين من العاصمة الفرنسية. لا يحتاج شخصٌ لتذكيره بحجم التغطية الإعلامية التي تبعت هذه الجرائم، على مستوى العالم أجمع، إذ أنّ إعلامنا ارتأى استنساخ المواد الغربية (وهو ليس بالأمر المدان)، لكنه تنازل عن حقّه في خلق هويةٍ خاصةٍ به سيّما في القضايا التي تمسّ مجتمعنا والتي يتغاضى عنها الغرب على الرغم من حساسيتها.

وهنا لا بدّ من التوقف عند قصةٍ غيّبها الإعلام الغربي، وبالتالي إعلامنا العربي، إلّا بعض المواقع التونسية التي أفادت أنّ أحد ضحايا الاعتداء الإرهابي على متجرٍ للبضائع الموافقة للشريعة اليهودية هو يهودي تونسي، كان يقضي عطلته في باريس، وأنّ عائلته قد طالبت مرارًا وتكرارًا بجثته لدفنه في تونس لأنّ ليس له أية صلة بـ”إسرائيل”، لكن الرياح الصهيونية لم تجرِ بما اشتهته سفن العائلة التونسية.

حكايةٌ أخرى، وأيضًا في فرنسا، بطلها رجلٌ يبلغ من العمر 73 عامًا، ألقي القبض عليه يوم الاثنين الفائت وهو يكتب على السيارات المركونة في حيّه الباريسي كلمة “يهودي”. هذا الرجل المعروف لدى رجال الشرطة، نتيجة ادّعاءاته المتكرّرة بأنه وزوجته اليهودية يتعرّضان للمضايقات في البناية حيث يسكنان، مع كتاباتٍ على الجدران والأبواب “معادية للسامية” حسب ادّعائهما، تبيّن لاحقًا أنّهما المسؤولان عن كتابتها، وأنها جزءٌ من الخطة التي يعتمدانها لتغيير سكنهما، بعد أن تقدّما بطلبٍ لمكتب المساعدات السكنية وتمّ رفضه.

أما الأهم، فهو كيف تعاملت الصحف الفرنسية مع هذا الموضوع؟ هل تصدّرت الصحف عناوين من قبيل “رجلٌ يتذرّع بتعرّضه لمضايقاتٍ معادية للسامية لتغيير سكنه” أو “شخصٌ يستغل موضوع معاداة السامية لأسباب شخصية”؟؟ بالطبع لا.. بل كانت العناوين مشابهةً للعناوين التي تناولت الجريمة النكراء في الولايات المتحدة أول أمس، والتي أودت بحياة ثلاثة طلابٍ مسلمين: “رجلٌ يكتب كلمة يهودي على السيارات لتغيير سكنه”، وبالطبع، يتمّ النظر الآن في كون الجاني مريضًا نفسيًا، كما في جميع القصص المشابهة.

أما في جريمة الطلاب الإرهابية، فإلى جانب وصف الإعلام الغربي الفاعل بالمجرم لا بالإرهابي، وإلى جانب تمسّكه برواية “الخلاف حول موقف السيارات” ضاربًا بعرض الحائط روايات الشهود حول مضايقاتٍ سابقة قد تعرّض لها الضحايا من قبل الإرهابي، وإعلانه الصريح على الفايسبوك بأنّه معادٍ للأديان جميعًا، لم يتوانَ معدّو برنامج “Inside Edition” الأميركي على استخدام هذه الرواية كمقدمةٍ لتقريرٍ يقترح حلولًا لـ”إيجاد موقفٍ للسيارة وتجنّب مثل هذه النزاعات”، في استهزاءٍ واضحٍ للجريمة النكراء التي لم تبرد دماء ضحاياها بعد، وتبنٍّ لرواية الجاني قبل انتهاء التحقيقات حول القضية.

مروة الشامي – باريس

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى