عظيمة أنتِ أيتها الضاحية

هاني شاهين

في أحد الأيام أوقفت سيارة أجرة طالبا من السائق أن يقلني الى ضاحية بيروت الجنوبية، فقال لي بلؤم “أنا لا أدخل مثل هذه المناطق”، فأوقفت سيارة أجرة أخرى فقال لي السائق بوقاحة “إنقبر إذهب على قدميك”. للأسف تكرر معي هذا الموقف عدة مرات على مدى عدة سنوات خلت، الشيء الوحيد الذي كنت أشعر به حين أسمع مثل هذا الكلام الخبيث هو الشفقة، طبعا الشفقة على عقول تتدلى منها أفواه نجسة.

بالأمس استقبلت الضاحية الجنوبية شابين غريبين بحسن نية ومحبة كما عودتنا دائما وأبدا، فقلب الضاحية الجنوبية أكبر من كل الطوائف والأديان والجنسيات، لكنها لم تكن تدري أن هذان الشابان يدَّخران حقدا وشراً في قلبيهما، ففجرا نفسيهما بين أُناس استقبلوهما على أكفهم كانوا يدعون لهم ولكل خلق الله بدعاء “كُميل” المشهور للتقرب الى الله عز وجل.

44 شهيدا وأكثر من 230 جريحا سقطوا غدراً على أرض الضاحية الجنوبية لبيروت، أرض العنفوان والكرامة والشهامة والكرم، هذه الأرض التي مدَّت شرايينها لتسقي وتُحيي بدمائها كل اللبنانيين بل كل العرب من المحيط الى المحيط. هذه الضاحية هي أوكسيجين العرب وهواء العرب وماء العرب وعزة العرب، فلولاها لكان العرب مجرد أغراب بين البشر.

خطاؤون وسُذَّج هؤلاء الإرهابيون المخططون حين اختاروا الضاحية الجنوبية لتكون مسرحا لعملياتهم الإنتحارية والإرهابية، فهذه الضاحية وأهلها إن ركعوا يركعون لله فقط، وإن بكوا يبكون للحسين فقط، وإن ارتعشوا يرتعشون لعظمة الخالق، فاسألوا الحجر والشجر في الضاحية فإن نطقوا لقالوا “هيهات منا الذلة”، فكيف بأشرف البشر الذي يسكن هذه الضاحية!.

مئات من رسائل وتصريحات التعزية والإستنكار هلَّت من جميع أصقاع الدنيا لتعزي وتندد وتتضامن مع أهل الضاحية الجنوبية، ليس لأن هذه البقعة الجغرافية في لبنان وليس كرمى لعيون السياسيين المنبوذين، إنما إحتراماً وتقديرا وإجلالا لمن يسكن هذه البقعة الجغرافية، إحتراما لأهل المقاومة الذين جعلوا للبنانيين والعرب شأناً وقيمة.

في الضاحية الجنوبية لا يوجد مقابر، إنما بساتين وحدائق مزروعة بالشهداء، في الضاحية الجنوبية لا يوجد فقط رجال ونساء، كبار وأطفال، بل ايضاً شرفات وأرصفة، أبنية ومحلات، أعمدة وأضواء، طرقات وأحياء كلها تصدح وتقول “إنَّ الموت لنا عادة وكرامتنا من الله الشهادة”.

في الضاحية الجنوبية أمهات لا يلدن إلا المقاومين، وكلما استشهد مقاوم نادى منادياً مبشراً بولادة ألف مقاوم، وكل مقاوم يتكلم في مهده ويقول “لبيك يا نصرالله”.

الرحمة للشهداء الأطهار، والدعاء للجرحى بالشفاء والمواساة لأهلهم الشرفاء الأتقياء.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى