عطش وحفر آبار.. من شرق صيدا إلى إقليم التفاح

لا تنحصر معاناة المواطنين مع مياه الشفة في بلدات إقليم التفاح وشرق صيدا بشح المياه، وتراجع نسبة المتساقطات السنوية فحسب، بل جاء تقنين ساعات التغذية بالتيار الكهربائي صيفا، «ليزيد على الطين بلّة»، ما أثر في ضخ المياه المتوفرة في المنطقة.

ويعتبر نبع الطاسة المصدر الرئيس لمياه الشفة، لكن تصريفه شهد تدنيا كبيرا من 1860 مترا مكعبا بالساعة في العام الماضي، إلى 652 حالياً، علما أن فترة الشح تبدأ في شهر أيلول – تشرين أول. والتراجع يعود للتغيرات المناخية وعدم تساقط الثلوج، التي يعوّل عليها لتجميع المياه الجوفية.

وتعتبر الآبار الارتوازية ركيزة أخرى لمياه الشفة في المنطقة، فلا تكاد تخلو بلدة من بئر أو اثنتين، بحسب حجم الضيعة وكثافتها السكانية، في حين تلتزم مؤسسة مياه لبنان الجنوبي بالآبار التي تنشئها من حيث مراعاة الشروط القانونية والفحوصة المخبرية الفيزيائة والكيميائية للتأكد من سلامة المياه. وتسود في المقابل حال من العشوائية الكبيرة في الآبار الخاصة وخصوصا أن هذه المنطقة تطفو على بحيرة من المياه، كما تقول صبحية كركي، السيدة التسعينية من بلدة عين بوسوار التي تتأسف على جفاف العديد من الينابيع في بلدتها وبلدة جباع المجاورة عازية السبب إلى الآبار الارتوازية.

يؤكد مدير «مؤسسة مياه لبنان الجنوبي» أحمد نظام أن الفوضى في انشاء الآبار الخاصة ستترك آثاراً سلبية على الاحتياطي الاستراتيجي من المياه الجوفية إذا استمرت حال الجفاف. وتندر الدراسات حول الآبار الارتوازية الخاصة في المنطقة وفي دراسة لإحدى منظمات المجتمع المدني تقدم معطيات غير دقيقة، لأن من يحفر بئرا ارتوازيا داخل منزله وداخل بستانه من دون ترخيص من وزارة الطاقة، فلن يصرح عنه، والرقابة على هذا الموضوع شبه معدومة.

وتتفاوت الأزمة بين بلدة وأخرى، وبين منزل في أعلى الجبل ومنزل في الوادي، التضاريس الوعرة للبلدات جعلت وصول المياه إلى كل الأماكن صعبا، ما تطلب إجراءات جديدة وتمديدات مختلفة يتحمل أعباءها المواطن بالدرجة الأولى.

محمد حمدان من بلدة كفرملكي وضع خزان المياه مع مولد صغير على الطريق لضخ مياه الشفة إلى منزله في أعلى الجبل، وتعاون مع الجيران لينشئوا شبكة من التمديدات البديلة تصل منازلهم بالشبكة. فيما حسن حمود يجمع مياه الامطار في برك ويستعملها صيفا لري حديقته، وعلي طبوش بنى خزانا كبيرا في الطابق الأرضي لمنزله يجمع فيه المياه شتاء تحسبا لفصل الصيف. أما محمد قاسم ابن بلدة كفرفيلا فتنقطع المياه عن منزله بشكل دوري، يقول «عدنا للطرق البدائية في غسل الصحون وتنظيف المنزل».

يشعر المزارعون بالأزمة بشكل أكبر، تخلوا عن الزراعات المروية، وخصوصا الزراعات الخضرية وعلى رأسها الملوخية التي تعتبر الزراعة الثانية بعد البصل في بلدة كفرفيلا، يقول المزراع محمد اسماعيل: «حتى البصل لم نعد نرويه، صهريج المياه بقيمة اربعين الفا والزراعة أصبحت مكلفة، بالكاد نؤمن شربة المياه لأولادنا ولا نعرف إذا كانت مياه الصهريج نظيفة». محمود حمدان ابن البلدة أيضا يشكو الواقع الذي وصلوا اليه يقول: «الكهرباء ضعيفة ولا يمكننا تشغيل المولد لسحب المياه إلى الخزانات، في الواقع بلدة كفرفيلا تعيش لوحدها. العملية الإنمائية فيها صفر، المواطن يتدبر أمره».

تعتبر بلدة كفرفيلا أصغر من البلدات المجاورة لها وتعتمد بالدرجة الأولى على مياه نبع الطاسة. تقول ابتسام إبراهيم وهي عضو في المجلس البلدي: «لا تكفي مياه نبع الطاسة البلدة وخصوصا ارتباط ضخ المياه بساعات تغذية التيار الكهربائي، حالياً تطالب البلدية مؤسسة مياه لبنان الجنوبي بحفر بئر ارتوازية، تكون حلا للأزمة. فمياه الري للمزارعين كانت تصلهم من نبع عقيل لكنه أصبح شبه جاف».

أما بلدة كفرملكي وهي بلدة كبيرة من حيث مساحتها وعدد سكانها، فتعتمد على مياه نبع الطاسة وفيها بئر ارتوازية في منطقة «القاطع» تضخ سبعة عشر إنشا من المياه، تغذي معه البلدات المجاورة. أما بئر شوران فمياهها ملوثة ولا يستفاد منها. فؤاد المير نائب رئيس البلدية في كفرملكي يقول: «حاليا هناك تعاون مع مؤسسة المياه حول انشاء بئر جديدة، نقيم ارشادات وحملات توعية وخصوصا لمحطات الوقود التي تغسل السيارات وللمزارعين. ونقوم ايضا بتغطية العجز بالمحروقات لتشغيل البئر الموجود في البلدة والتعاون لا يقتصر على البلدية فأصحاب الآبار الخاصة التي يبلغ عددها اثنتي عشرة أبدوا استعدادهم لتغذية شبكة مياه البلدة».

بلدة جباع، بلدة الينابيع والعيون، بلدة يرتبط اسمها بخرير المياه، اصبحت اليوم تعاني أزمة مياه، يقول محمد كركي: «هناك بئر واحدة تغذي بلدتي جباع وعين بوسوار، لكننا لا نستفيد من مياه نبع الطاسة». أما نيفين رعد فتشرح: «البيوت المرتفعة في البلدة هي التي تعاني أزمة المياه وحاليا ننتظر إنشاء بئر ارتوازية بين جباع وعين قانا، تغذي البلدتين». وتصرخ رشا كربلا من بلدة عين قانا: «شو منقدر نتحمل، المياه تباع، والبرميل بألفي ليرة. أصبحنا نأتي للبلدة زيارات ولا ننام في المنزل لعدم وجود المياه».

كما تضاف التغيرات السكانية والعمرانية ووجود النازحين السوريين كأسباب أخرى لازدياد أزمة المياه فالآبار التي كانت محفورة في العام 2000 أصبحت غير صالحة اليوم، وغير قادرة على تصريف كمية مياه كافية لبلدة ازداد عدد سكانها بشكل كبير ومع أن مؤسسة مياه لبنان الجنوبي قامت بحفر العديد من الآبار الارتوازية، ما خفف الأزمة عن العديد من البلدات وخفف الاعتماد على مياه نبع الطاسة كمصدر اساسي، كالبئر في بلدة رومين. ويتوقع أن تخفف الأزمة عنها وعن بلدات ركي وعزة وخزيز المجاورة لها. لكن تلك البئر تحتاج إلى تجهيزات لمباشرة العمل.

أما في بلدة حومين الفوقا فقد شكلت البئر، التي حفرتها مؤسسة المياه مفاجأة، بحيث بدأ تصريف المياه من عمق ثلاثمئة متر بكمية مئة متر مكعب بالساعة بإمكانها أن تكفي 2400 وحدة سكنية، ما أعطى مؤشرات جيدة عن طبيعة الأرض في حومين وإمكان حفر آبار أخرى فيها، كما هي الحال في بلدة كفرملكي، حيث تقوم مؤسسة مياه لبنان الجنوبي بالعمل على حفر بئر أخرى فيها، لتغذية البلدة والبلدات المجاورة لها.

وقد قامت المؤسسة بحفر الآبار في العديد من بلدات منطقة النبطية وخصوصا في حبوش، إضافة إلى مشروع جرّ المياه من محطة الطيبة إلى العديد من البلدات كالزوطرين وكفرتبنيت وارنون والدوير والقصيبة وصولاً إلى أنصار. وذلك المشروع بإمكانه إيقاف عمل أربع وثلاثين بئرا ارتوازية. ويساعد مياه نبع الطاسة على تغذية مناطق إقليم التفاح وشرق صيدا بصورة أفضل.

مايا ياغي – السفير

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى