عبوات كحول “ملغومة”.. برعاية القانون

فتون رعد –

الثانية والنصف بعد الظهر. حمل ماجد (16 عاماً) حقيبته، غمز زميلي الدراسة أسعد وسيمون، وتوجّه نحو باب الصف لينتظرهما. انطلقوا إلى دكان محاذٍ للمدرسة. يعرفهم البائع جيداً، هم “زبونات محل”، يأخذون العدد اللازم من عبوات مشروبات الطاقة الممزوجة بالكحول وينطلقون إلى منزل أحدهم. يذكر ماجد اسم المشروب المفضل لديه ويعدد “حسناته”: “لا أستطيع كتابة فروضي وحفظ ما علي قبل أن أتناول عبوتين منه، خاصة عندما تقترب الامتحانات”.

لماجد وصديقَي المقاعد الخشبية مادتين قانونيتين يفترض أن تحميهم من ضرر هذه المشروبات. المادة الثانية من القانون الصادر في 22 حزيران 2012 والموقّع من وزيري الصحة العامة والاقتصاد والتجارة، تمنع بيعه أو تقديمه لمن هم دون سن الـ18، تحت طائلة المحاسبة وفقاً لقانون حماية المستهلك.

وإذ يروي ماجد ببراءة أن غالبية زملائه في المدرسة ومن يعرفهم من أترابه يتناولون هذه المشروبات ويشترونها بأنفسهم لأنها أصبحت “دارجة” ولأن أسعارها “دافئة” على جيبة مصروفهم، يستغرب أن تكون لها آثار جانبية أو ما يهدد صحته، لا سيما أن الإعلانات التي تحاصر ذهنه تروّج لها على أنها “المنقذ” من التعب، والمحفز للنشاط. إضافةً إلى استهدافها زيادة القوة الجنسية عند الرجال. هذه الصورة جعلتها موضوعاً للتباهي بين المراهقين ودفعتهم إلى حفظ جمل “أبطال” الإعلانات وترديدها. القانون نفسه، وكذلك الوزارتين الساهرتين “ورقاً” على صحة المواطنين، لم ينسوا تحديد شروط لهذه الإعلانات. هنا تنده المادة الثالثة من دون أن يسمعها أحد: “يمنع وضع على العبوة أو في الإعلان أي ادعاءات غير مثبتة علمياً من جهات موثوقة أو أية إيحاءات غير مسؤولة أو تتنافى والذوق والأخلاق الإجتماعية العامين”.

عبوات ملغومة
مشروبات الطاقة “الملغومة” في متناول يد الجميع ومن كل الفئات العمرية. لا تأبه سلمى (25 عاماً) بتأثيراتها على الصحة، مع أنها تعرفها جيداً وتستطيع شرحها وتفنيدها: “طالما أنني لا أتناولها بشكل يومي فلن تقتلني، هناك ما يضرني أكثر منها ويحيط بي دون أن أشعر”.

تأخذ سلمى غالباً، جرعتها الكافية من هذه المشروبات قبل الدخول مع أصدقائها إلى النوادي الليلية حيث “السهرة بتكون ولعانة، ولازم نفوت مهيبرين!”. تقر بأنها انجرفت وراء هذه الموضة، ولا تنوي العدول عنها خاصة أنها تساعدها على التماهي مع الجو السائد في العاصمة بيروت التي انتقلت إليها بهدف الدراسة والعمل. وكما اضطرت، طواعية، إلى تغيير بعض ملامح شخصيتها القروية، كانت هذه العادة بمثابة المنكهات لترسم معالم جديدة لهوية تذيبها في المجتمع البيروتي “الذي لا يرحم”، بحسب تعبيرها.

على مقربة من شارع صاخب في منطقة الحمراء يضم عدداً من النوادي الليلية التي تسهر فيها سلمى، يغرّد سام، وهو صاحب متجر كحول، خارج سرب الطاقة. اتخذ قراراً منذ نحو سنة بوقف بيع المشروبات الممزوجة بالكحول، بعد أن شهد حوادث أمام دكانه دفعته إلى مراجعة حساباته. يروي بنقمة واضحة ما حصل مع مراهق في الـ14 من عمره فقد وعيه بعد أن اشترى له شبان راشدون، من دكان مجاور، أربع عبوات من إحدى المشروبات الأكثر رواجاً في لبنان إضافة إلى كأسين من الويسكي. سقط الشاب أرضاً. تم الاتصال بالصليب الأحمر الذي، بحسب سام، تردد بإرسال مسعفين بعد أن عرف أن الشاب سوري الجنسية وقال: “لا نستطيع أن نفعل له شيئاً”. المؤسسة الإنسانية لم تتحرك إلا بعد اتصالات حثيثة من بعض المارة برجال الأمن.

الحادثة ـ الذروة ليست الدافع الوحيد. هو الذي عمل في أشهر الملاهي القبرصية واليونانية، لا يثق بنوعية الفودكا التي تمزج مع المركّب. ويقول عن تجربته: “بعد أن توقفت عن بيعها قاطعني كثير من زبائني وخسرت 60% من مبيع البرادات”.

تسمّم تدريجي
تلاقي سام، رئيس قسم الصيدلة السريرية في الجامعة اللبنانية ـ الحدث د. سمر رشيدي، بخوفه على صحة هؤلاء الشباب. تفرد على طاولة أمامها أوراق بحث علمي مفصّل يتضمن إحصاءات تستحق المناقشة. تعود جهود الإحصاء للتلميذتين في كلية الصيدلة ريمي حاتم ومنال عيتاني، اللتان ركزتا حول مشروبات الطاقة (مع أو دون الكحول) وتفاعل الشباب معها، لا سيما الفئة الممتدة بين 13 و30 عاماً.

يظهر الإحصاء المنفّذ على كافة الأراضي اللبنانية أن نسبة استهلاك هذه المشروبات ترتفع خارج نطاق بيروت، وتعزو النتائج ذلك إلى قلة خيارات التسلية خارج العاصمة من جهة، وإلى انخفاض نسبة التوعية إزاء مخاطرها من جهة أخرى. أما أسباب اللجوء إليها فتبين النسبة الأكبر أنها الرغبة في تقليد المثل الأعلى المفضل وتحديداً في مجال الرياضة.
وإذ تنبه رشيدي من أن هذه المشروبات تؤدي إلى اضطراب في القلب والجهاز الهضمي والكلوي والكبدي والعصبي، تؤكد أن تأثيرات مثل النشاط والحيوية تستمر لفترة معينة يكون خلالها الجسم في طور مراكمة السموم ثم ما تلبث أن تظهر أمراض كسوء التغذية (تمنع امتصاص الفيتامينات B).

منتج العام!
يعتمد منير (31 عاماً) على مشروبات الطاقة – المؤقتة بشكل يومي. استعاض بها عن القهوة ومشتقاتها. بعد المياه والفطور الخفيف، يهرع إلى البراد ليتناول عبوة “صاروخية” قبل التوجّه إلى مكان عمله. خلال النهار يستعين بعبوة أخرى “ع الماشي”. مادة الكافيين التي يعتقد منير أنها صديقته اليومية، تدخل بخبث إلى جسده وتحفّز قلبه على الخفقان بسرعة أكبر، وهو مفعول عكسي للكحول ما ينتج عنه اضطراب في الجهاز العصبي وارتفاع في ضغط الدم.

هذه التأثيرات الشديدة تنبّهت لها وزارة الصحة العامة في لبنان، فكان منها أن أصدرت بتاريخ 19 كانون الثاني 2012 قراراً “يمنع استيراد مشروبات الطاقة الممزوجة بالكحول لما تسببه من مخاطر على الصحة”. لم يتم العمل بالقرار، وبقيت السوق المحلية غارقة بهذا المنتج – السم. بل أن لبنان أصبح منتجاً لإحدى الماركات الشهيرة. ولأسباب لا يعرفها إلا من وقّع القرار، تم إصدار، بتاريخ 22 حزيران من السنة نفسها، قانوناً يبطل الأول ويحدد نسبة الكافيين في العبوة الواحدة مع وجوب أن “تحتوي لصاقة المنتج بشكل واضح نسبة الكافيين التفصيلية والإجمالية، وتحذيراً صريحاً من استهلاك أكثر من عبوتين بمعدل 500 مل اليوم”. في حالة كهذه لا أفضل من رفوف المحلات للإستعانة بها، إذ أن بعض المنتجات الرائجة جداً لا تشير على ملصقاتها إلى وجود مادة الكافيين بداخلها ولا إلى أي من مصادره الأخرى. كما لا تحمل التحذير من شرب كمية كبيرة منه.

عندما يسمع ماجد هذه المعلومات يحدّق بقرارات وزارتي الصحة والتجارة في “دولته” ويضحك عالياً: “لا يريدون أن يقولوا أنه مضر، لا بأس، ولكن أن ينتخبوه منتج العام! كيف هيك؟”.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى