عام على خطف اللبنانيين في أعزاز … قبل القصير وبعدها

اليوم تُطفئ 9 عائلات الشمعة الأولى على فراق الأحبة. عام مرّ على خطف اللبنانيين الزوار، الأبرياء من أي تهمة، على يد من يُسمّون أنفسهم «طلاب الحرية» في منطقة أعزاز السورية. حصل هذا قبل مواجهات القصير بكثير، بغية ابتزاز حزب الله، بوقاحة سافرة… مذ ذاك وأهالي المخطوفين يمشّطون الطرقات وحدهم ويصرخون

محمد نزال

في مثل هذا اليوم، قبل عام، خطفت «الثورة السورية» لبنان. ضجّت الضاحية الجنوبية لبيروت، ومعها كل المناطق، بخبر خطف 11 لبنانياً في منطقة أعزاز ــــ ريف حلب، في طريق عودتهم من زيارة العتبات المقدسة في إيران. لماذا خطفوا؟ الخاطفون صامتون. ساعات ثقيلة عاشها لبنان، والخاطفون على صمتهم، لا يعلنون سبب فعلتهم. آنذاك لم تكن هناك مواجهات في القصير. ولم يكن هناك حديث عن تدخل عسكري مباشر لحزب الله في سوريا. كان للحزب موقف سياسي فقط. المخطوفون لبنانيون من الطائفة الشيعية. الخاطفون استمروا بالصمت. ماذا يريدون؟ بعد صمت نطقوا… كفراً، عندما أعلنوا أن الخطف هو للضغط على حزب الله. المخطوفون ليسوا من حزب الله. صادف أنهم من طائفة معينة، لكنهم ليسوا من الحزب، وهم بأغلبهم من كبار السن والمرضى. أحرج يومها كثيرون ممن يناصرون «الثورة». كيف لمجموعة تطالب بالحرية أن تبادر، عن سابق تصميم، إلى حجز حرية أناس أبرياء؟ من يمكنه أن يُبرر؟ الموقف محرج. كثيرون لزموا الصمت. إنها «ثورة» لا تُشرّف، ليس لأن ما حصل مجرد خطأ فردي، بل لأن قيادتها، في الداخل والخارج، التزمت الصمت. والصمت عن الظلم شراكة فيه. هكذا كان الجميع يتكلم في الضاحية، من أهالي المخطوفين وأقاربهم، ومن المتابعين، وحتى من بعض من كانوا يناصرون الحراك في سوريا، إلا قلة قليلة أصرّت إما على صمتها وإما على فجورها.
مرّ عام وأهالي المخطوفين يمشطون الطرقات في لبنان. لم تبق وسيلة إلا واستخدموها لإيصال صوتهم. وحدهم في الطرقات. لا أحزاب معهم ولا جمعيات ولا نشطاء. حتى نشطاء المجتمع المدني الذين لا يتركون صغيرة أو كبيرة إلا ويُشاركون فيها، غابوا عن قضية المخطوفين في أعزاز. ربما لأنها قضية ليس فيها «منح» من الاتحاد الأوروبي. تُرك الأهالي وحدهم. الأحزاب تركتهم، ومنها حزب الله. تفهموا الأمر، ذلك أنهم لا يريدون لقضيتهم أن تُمذهب أو تُسيّس. لكن ماذا عن الدولة؟ الدولة، هذه الكلمة، أصبحت خلال السنوات الماضية قرينة لأحاديث الفكاهة أو السخرية. الدولة، ممثلة بوزير خارجيتها عدنان منصور، خرجت لتقول بعد الخطف إن «مسؤولاً تركياً أخبرنا بأن المخطوفين بخير، وأنهم أصبحوا في الأراضي التركية». أين أصبح هذا الكلام؟ ربما على منصور اليوم أن يطل على الرأي العام ليصارح الناس باسم المسؤول التركي الذي قال له ما قال. الدولة في يوم الخطف، قبل عام، كانت مجتمعة في مطار بيروت الدولي. كانوا ينتظرون عودة المخطوفين. هكذا وعد الأتراك. ألم يقل ذلك وزير الداخلية مروان شربل؟ ألم يقل إنهم أصبحوا في الطائرة وهم في طريقهم إلى بيروت؟ يومها كانت بعض وسائل الإعلام تدخل الضاحية لأول مرة. تلفزيون المستقبل يتحدث عن طائرة الشيخ سعد الحريري التي ستقل المخطوفين. الناس في الطرقات حتى المساء. فجأة، يتبخر كل شيء. منذ ذلك التاريخ وأهالي المخطوفين يفترشون الطرقات. فجأة يفصح «الثوار» عن طلبهم. يريدون اعتذاراً من الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله. السيد يتجاهلهم في خطاباته. أهالي المخطوفين يردون على الخاطفين… «فشرتم وهيهات هيهات أن يعتذر السيد… إن هو قبل فنحن لا نقبل». صمت الخاطفون من جديد. هنا يظهر «أبو ابراهيم». شخص بكنية، لا باسم ثلاثي ولا حتى ثنائي، بكنية فقط يشغل الدولة وأهلها. أصبح نجم أهل الإعلام، سافر بعضهم إليه، إلى أعزاز، والتقوا به وبالمخطوفين الذين سموهم «ضيوف أبو إبراهيم». هذا الذي مات وعاش، إعلامياً، عشرات المرّات. اليوم هو غائب عن السمع تماماً. البعض يقول انه قتل في المعارك الجانبية في شمال سوريا. ويقول آخرون إنه داخل تركيا. فيما يشير بعض ثالث الى أن الأتراك تخلصوا منه بعدما أصبح عبئاً، على غرار كل الأدوات عندما تنتهي صلاحيتها.
لاحقاً، صُعق الأهالي عندما قال رئيس الجمهورية ميشال سليمان لهم «إذهبوا لعند جماعتكم». إذاً، هو ليس رئيساً للبلاد، بل ربما رئيس لنصف ربع شريحة من البلد الصغير. آنذاك، أزعج الرئيس أن تنقل «الأخبار» هذه الرواية عن الأهالي. اللافت أن بياناً عن الرئاسة لم يصدر للإيضاح أو حتى للنفي. فقط أوعز إلى وزير العدل والنيابة العامة متابعة الأمر مع «الأخبار». القضاء، بشخص أحد القضاة، تمنى «عدم إثارة أخبار كهذه مجدداً». لاحقاً، وبعد مبادرة أفراد من آل المقداد الى خطف مواطن تركي، رداً على خطف حسان المقداد في سوريا، قررت الدولة أن تُنشئ «لجنة حكومية مصغرة لمتابعة قضية المخطوفين». قبل ذلك كان أهالي المخطوفين ومن يتضامن معهم قد خطفوا تركياً آخر. الدولة أعادت لتركيا مواطنيها، مقابل حل القضية، ليتبين لاحقاً، وعلى لسان مسؤول وزاري، أن الدولة اللبنانية «ضُحك عليها». زُج ببعض الأشخاص من آل المقداد في السجن، وما زالوا إلى اليوم، فيما لم تف تركيا بوعدها. فقط «استطاعت أن تعيد» اثنين من المخطوفين ليظل 9 منهم قيد الاحتجاز. العائدان وصلا إلى بيروت على متن طائرات تركية. كل الطبخة من أولها إلى آخرها تركية. هذه هي قناعة أهالي المخطوفين الثابتة. فهم الجميع أن المواطن التركي كان مقابل اللبناني. الأهالي تحسروا وقالوا: «ربما كان علينا أن نخطف 11 تركياً حتى تعيد تركيا لنا كل المخطوفين».
لا يزال دانيال شعيب، شقيق المخطوف عباس شعيب، يتذكر أصعب اللحظات التي مرّت عليه «خلال عام من القلق». يقول: «أقسى لحظى كانت عندما خرج أبو ابراهيم وقال ان 4 من المخطوفين قتلوا. كانت هذه المرة الاولى في حياتي التي أعرف فيها شعور من يفقد عزيزاً. ما زلت أعاني نفسياً منذ تلك اللحظات، وأظن أنها لن تبارح ذاكرتي لأمد طويل». يستذكر شعيب عندما علم أن شقيقه عباس فر من الخاطفين، بعدما غافلهم ودخل الأراضي التركية، ومن هناك اتصل بشقيقه في بيروت وأخبره أنه قرب مخيمات اللاجئين السوريين في تركيا. بادر دانيال يومها إلى الاتصال بوزير الخارجية اللبنانية وأعطاه رقم الهاتف الذي في حوزة عباس. فعلاً اتصل منصور بعائلة شعيب وأبلغهم أنه تكلم مع المسؤولين الأتراك، وأنهم سيعيدونه إلى لبنان، «وإلا فستكون هناك مشكلة دبلوماسية بيننا وبينهم». فجأة، يتم تحديد مكان عباس، من جانب الاستخبارات التركية، فيقبض عليه ويعاد إلى أعزاز. يقول دانيال: «لم نعد نثق بأي مسؤول في لبنان، باستثناء اللواء عباس إبراهيم، الذي يحمل هم القضية اليوم، وهو الوحيد الذي شعرنا بأنه يعمل جدياً لأجلها، وهو من يثنينا عن تصعيد التحركات ضد المصالح التركية في لبنان، ونحن بانتظار ما ستؤول إليه جهوده في المفاوضات».
من جهته، يقول أدهم زغيب، نجل أحد المخطوفين، ان الاهالي الآن «بالعين الموس.كنا نريد التصعيد بقوة في الذكرى السنوية، لكن المسؤولين الذين نثق بهم طلبوا التهدئة، وسنعطي مهلة لأيام». أصعب اللحظات التي عاشها زغيب كانت عند زيارته لتركيا، ولمنطقة أعزاز، مع وفد إعلامي. يتذكر كيف رأى «الاستخبارات التركية تدير كل شيء هناك… هناك فهمت أن الذنب ليس ذنب الشعب السوري، بل هي لعبة استخبارات دولية، هذه هي حقيقة ما يسمى الثورة السورية».


خطف مقابل؟

بعيداً عن الجهد الذي يبذله المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم، يُشاع بين أهالي المخطوفين ان ثمّة شخصيات وازنة في المعارضة المسلحة خطفت أخيراً في سوريا، وبالتالي يمكن أن يُفاوض عليها في قضية تبادل. ويشيرون إلى الكلمات التي قالها الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، في خطابه الأخير، لناحية أنه لا بد من عمل شيء من أجل المخطوفين إذ لا يمكن أن يُترك الأمر هكذا. من جهته، يلفت دانيال شعيب إلى أن «الأهالي يعتبرون سعد الحريري وعقاب صقر وبعض الشخصيات السياسية الأخرى مشاركين في الخطف، وهم ربما ينتظرون لحظة اجراء الانتخابات النيابية لإطلاق سراح أهالينا، بغية الاستفادة السياسية الرخيصة». عام مرّ على عملية الخطف، ولا أحد يعلم كيف ستكون نهاية هذه القضية، فيما أهالي المخطوفين يستمرون، وحدهم، بافتراش الطرقات.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى