عاصر الحرب العالمية الثانية ،المغترب الحاج جميل خليل بزي ، ذاكرة بنت جبيلية مليئة بالحكايات

حاوره غسان بري  – العصر الإسلامي

في حياة كل إنسان قصة، يسود فيها الأل والفرح. فما أجمل قصة الإنسان المهاجر وما أعذب ذكرياتها! تجلس مستمعًا وتـنعم بدفِء َو ْص ِف الأحداث، من حياة البلدة إلى المدينة، ومن الأخيرة إلى بلاد الاغتراب الواسعة.. فيمضي الزمن ولاتحُّس به لأنك مشدودالأعصاب إلى سلسة أحداث الماضي. وفي تلك الوقائع تتعرف على حقبة تاريخية ل يعشها إلا صاحبها، الذي تعب وجاهد وسهر ونجح…

ولد الحاج جميل خليل بزي والملقب بـ(المير) في بلدة بنت جبيل في العام 1926، هناك ترعرع في منزل قرب جامع البلدة، حيث عانقت روحه الإيمان منذ نعومة أظافره، وزاده مدّرسه الشيخ أحد علمًا في الإلمام بالقراءة العربية والدينية. ثم انتقل إلى مدرسة بنت جبيل الرسمية التي كان مديرها الأستاذ عزت الخطيب آنذاك. وحّل محله الأستاذ عبد اللطيف سعد مديرًا للمدرسة. وبقي الحاج جميل في المدرسة حتى بلغ الحادية عشرة من عمره. وبعدها بدأ يعمل في قلع الصخور، وتحويلها أحجارًا ذات قياس هندسي متـناسق لتعطي البناء رونقًا وجماًلا. عن تلك الطريقة في تقطيع الحجارة قال الحاج جميل: – كنا نحفر حول الصخور في الجبال والوهاد ونقتلعها، ومن ثم نقطعها أحجارًا متناسقة ومنحوتة نحتًا دقيقًا لُتعطي الأشكال الخلابة في بناء المدارس. ِّإنه عمل متعب وشاق، ولكن عزيمتـنا كانت ُتذلل وتكسر الصخور. – وماذا كان طعامكم الذي يعطي هذه القوة؟ إرتاح الحاج جميل في جلسته ليقول بعدها:

– ما أطيب (المجَّدرة) الحمراء والكَّبة وبقلة الحمص والبغل والهندبة والعّكوب! كنا نتـناول طعامنا في الحقل، ونشرب الماء من (كوز) ماء بارد والفواكه كانت من العنب والتين في فصل الصيف، وفي الشتاء التمر والتين اليابس و(الدحروب). الحمد لله لا ينقصنا أي شيء لأننا كنا نعمل طوال النهار.1367764479

الحرب العالمية الثانية

– وأثناء اندلاع الحرب العالمية الثانية ماذا فعلتم؟ – ذهبت مع والدي إلى فلسطين، كما ذهب عمال كثيرون إلى هناك. وعملت مع والدي في العمل ذاته. وفي تلك الأثناء وضع الإنكليز حاجزًا من الشريط الشائك ممتدًا من الناقورة وحتى العرقوب، وعلو هذا الحاجز ثلاثة أمتار وعرضه خمسة أمتار. ولكن كانت هناك بوابة حيث كنا ندفع (كوشان) أي ضريـبة ليسمحوا لنا بالدخول. وفي إحدى المرات تسللت تحت الشريط وفجأة ظهرت مصّفحة فاختبأت بين العشب، وهكذا نوت.

وأين عملت في فلسطين؟

-في فلسطين خيرات كثيرة، عملت في حيفا وفي صفد، وفي الأخيرة في مكان يدعى (جبل كنعان)قمنا ببناء مستشفى تحت الأرض. وعملت في الجاعونة، في معمل (أّمرون) وهو معمل ينتج جبسًا في شكل ألواح، تغطي هذه الألواح حفرات عميقة، نحفرها كي تسقط فيها الدبابات والمصفحات الألمانية، حسب طلب الجيش الإنكليزي، وتوقعه للهجوم البي الألماني. وذات مرةشاهدُتطائرتينحربيتينألمانيتين تقصفان مواقع عدة في فلسطين.

-هل كانت المصانع وأدوات الإنتاج في يد اليهود؟

ن – بالتأكيد هم أغنياء، ويملكون كل شيء، وبغية تأمين العمل الدائم، تعَّلمت العبرية لغة الأغنياء. ومن تعّلم لغة قوم أِمن شرهم، حسب قول الرسول (ص).

وكم كان منظر هبوب عاصفة الحرب مرعبا: دواب وخيول تحمل المدافع الرشاشة والذخائر، والجنود يسيرون استعدادًا لمعارك طاحنة، وهناك طنابر معبأة بالمؤن والخيم. ونحن العمال من جنوب لبنان لم نتوقف عن العمل إطلاقا. استراح الحاج جميل قليلا، وراح يشرب الشاي الساخن، ويتأمل الغيوم التي تمر كالأيام مسرعة، ثم قال: كان ثمن السيارة ألف ليرة ذهبية في العام 1930 وثمن الذهاب من بنت جبيل إلى بيروت نصف ليرة ذهبية يتقاضاها سائق، فورد (أبو دعسة). من الرجال والنساء في فلسطين يقضون شهرين بعيدين عن عائلاتهم وبعدها يرجعون إلى لبنان ومعهم حصيلة عملهم. وأذكر أنني عملت في طبيا والعديسية، وفي تنقلنا كنا نسافر في الطنابر من بلد إلى بلد. لقد حفرنا خنادق وبنينا بيوتاً من الأحجار المنحوتة من الصخر.

وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، ماذا فعلت؟ –

عملت في كل الأمكنة في لبنان وفي الأردن، وفي سوريا الحبيـبة، هناك قالت لي فتاة جميلة: (هنيئًا لمن ستكون زوجتك!). تلك الليلة لم أستطع النوم، لأنني بقيت أفكر بتلك الفتاة! كلماتها انسكبت في روحي وقلبي. وفي صباح اليوم التالي، كتبت رسالة لوالدي كي يوافق على زواجي ممن أسرت فؤادي. لكن التقاليد آنذاك جعلت والدي يقف ضد زواجي.

– ألا تزال تذكرها منذ 67 عاماً؟!

– كلام الفتاة أو المرأة هو السحر العابق الذي يأسر الرجل طوال حياته! هي الحياة في حلوها ومّرها…آه…

– وفي أي عام تزوجت؟

– تزوجت في العام 1954 ولقد ربيت عائلتي وإخوتي وأخواتي… ربيت العائلتين بإشراف والدي الذي كان يساهم في الإنتاج للإنفاق، وبعد وفاته تابعت ذات المسيرة، من إنفاق ورعاية، ولقد علمت إخوتي وأخواتي، ونجحوا في حياتهم، والحمد لله.

أحب أن أذكر لمحة صغيرة عن حياتنا التي لم تكن سهلة في الماضي، فقد كنا نشرب من الآبار الإرتوازية، ودوابنا تشرب من بركة الحوارة التي أصبحت بركة بنت جبيل، كما نشرب من العين الكبيرة.

وأثناء الحروب مع إسرائيل ذقنا الأمرين من الإسرائيليين والعملاء الذين نصبوا أنفسهم زعماء، ولكن الأمر لم يدم لهم طويلاً، ويد الله فوق الجميع، فقد انتصرت المقاومة على الإسرائيليين والعملاء وبذلك رجعنا مرفوعي الرأس إلى الجنوب. وبالمناسبة الوزير المرحوم علي بزي من أقربائي. سقى الله تلك الأيام. فلقد كان (أبو هاني) يساعد كل إنسان يطلب مساعدة أو خدمة. ولقد كان آل الأسعد يتعمدون ظلم عائلة بزي، حتى برز الزعيم دولة الرئيس الأستاذ نبيه بري، فقضى على الظلم وأهله. ونطلب من الله تعالى إطالة عمر الرئيس نبيه بري لأنه الحق والعدالة والتسامح والزعيم الوطني والعربي الكبير.

36 ليرة ذهبية

سألت الحاج جميل عن المرحلة الثانية من حياته في ميشيغن، والحاج حضر إلى أمريكا في الثالث من آذار العام 1977؟ فأجابتني الحاجة أم كايد بعدما وضعت كؤوس الشاي أمامنا:

– أخي الحاج رياض بزي (أبو حسين) هو الذي أحضرني مع زوجي الحاج جميل وأولادي وبناتي، ونحن مسرورون جدا في حياتنا، والحمدلله لله أولادي وبناتي ناجحون في حياتهم ويملكون جميعهم ذرية إسلامية صالحة، والسعادة في القناعة وفي الإيمان. وأنا أصغر من الحاج بخمسة عشر سنة.

ضحك الحاج جميل ولم تغب ملامح الغيرة عن وجهه، فقال:

-إن العمر يقاس بالإحساس وليس بعدد السنين، وإحساسي بأني شاب وصحتي قوية وذاكرتي قوية، ولما زال أتناول الأطعمة التي كنت أتناولها في مطلع شبابي، إني أستمع إلى الأخبار وأتابع الأحداث. وفي أمريكا عملت في فبركة اللحم منذ عشر سنوات، وهكذا تمكنت من شراء منزل وتأمين حياة لائقة للعائلة، ناهيك أنني قد أحضرت معي من لبنان 36 ليرة ذهبية، ولقد أعطاني الله تقديراً ومكافأة لجهودي وعملي أمام عائلتي.

الإيمان بالله

– أنت تملك إيماناً قوياً يا حاج جميل…

– إن إيماني قوي بالله، وأقرأ القرآن يوميا، وليس الإنسان إلا لعمله. نحن فرحنا وسعدنا في هذه الدنيا، والله لا يتركنا، العمر قصير والإنسان لا يحب الموت، ولكن لا حول ولا قوة إلا بالله، والإنسان في طبعه لا يحب مفارقة الحياة، سواء إن كان غنيًا أو فقيرًا. سبحان من قهر عباده بالموت والفناء نوم المسنين قليل! فهل تـنام جيدا؟

– لقد قيل: ليت الشباب يعود يوماً!! لكننا لا نستطيع إيقاف الزمن أو فعل اي شيء. أنا أهرب من الذكريات السلبية إلى الإيجابية، وهذا علاج مفيد لكبار السن حينما يذهب فكرهم نحو الذكريات المؤلمة من أحداث ومواقف. أتذكر الكروم الخضراء من اللوز والتين والعنب في بلادنا، أتذكر ملاعب الطفولة وركضنا بين الأزّقة والشوارع الضّيقة وأتذكر مواقد الحطب ووقع المطر وسقوط الثلج. وأعذب وأجمل ذكرياتي ُشربي من بئر النبي يوسف (ع) الموجودة في وادي البقر، وهذا الأخير يقع بالقرب من بلدة نجمة الصبح القريبة من صفد والجاعونة. حينما خرجتُ من منزل الحاج جميل بزي، لم يغب عني شعاع حب الحياة في عينيه، ولا الدموع المترقرقة التي مبعثها ألم الذكريات وفرحهما.

 

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى