سوتشي و وراسو صراع المؤتمرات في هيكلية الشرق الأوسط

في سياستها الرامية إلى إحداث فالق استراتيجي بين منظومة العلاقات الإقليمية و الدولية، بالإضافة إلى تحشيد على المستويين الإقليمي و الدولي لمواجهة ما يُسمى “الخطر الإيراني”، لجأت واشنطن إلى جذب أدواتها و السائرين في ركبها، إلى عقد مؤتمر وارسو، الذي أُريد له أن يكون اللبنة الأولى في التأسيس لـ شبكة علاقات تكون اسرائيل أحد أضلعها الرئيسية، من أجل الولوج إلى عمق صفقة القرن، و الشروع الفعلي و العملياتي في تطبيقها واقعاً، مع بلورة جُملة من الجهود، و بناء إصطفافات جديدة تكون اساساً لمواجهة ايران في المنطقة، و ما يتم الترويج له أمريكياً اسرائيلياً سعودياً عن ضرورة وضع حد للنفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، لكن الواضح أن هذا المؤتمر الأمريكي الاسرائيلي شكلاً و مضموناً، له أبعاد أكثر شمولية في المنطقة، و يحمل سياسات بعيدة المدى، من أجل الخوض في استراتيجيات جديدة تكون في ماهيتها بداية لتشكيل خارطة جيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، الأمر الذي يؤكد أن واشنطن تسعى و برغبة اسرائيلية، للشروع في تطبيق بنود صفقة القرن، و لعل من أبرز هواجس ترامب، بروز قوى إقليمية كـ إيران و تركيا، إذا تعتبران من المؤثرين الفاعلين في إمكانية التأثير على الخطة الأمريكية، إضافة إلى قوى أخرى أكثر فاعلية كـ روسيا و الاتحاد الأوروبي الساعي للخروج من السطوة الأمريكية سياسياً و اقتصادياً، و عليه، و مع بروز هذه القوى، فإن الموجبات الأمريكية تستدعي توجهاً جديداً، يتناسب مع إدراك الإدارة الأمريكية في تناقص مصالح القوى الدولية و الاقليمية من التوجهات و السياسيات الامريكية الجديدة، سواء تلك التي تسعى لتمرير صفقة القرن، أو مواجهة ما يُسمى النفوذ الإيراني في المنطقة، أو تلك القضايا الجوهرية التي ترتبط بشكل مباشر بالعمق الجيوسياسي للشرق الأوسط.

في شكل المؤتمر الأمريكي، كان واضحا أن هناك رفضاً روسياً أوروبياً لمضامين هذا المؤتمر، خاصة أن واشنطن تسعى للتفرد بترتيب الأوضاع السياسية و العسكرية في الشرق الأوسط، الأمر الذي لا يتفق مع التوجهات الروسية حيال ملفات المنطقة، و كذلك التوجهات الأوربية الساعية إلى بلوة منظومة اقتصادية بإطار سياسي، مع هواجس أوروبية جمة خاصة المتعلقة بعودة الإرهاب إلى القارة العجوز، و بين التوجهات الروسية و الاوربية، هناك قاسم مشترك بينهما، ألا و هو النهج الذي انطلق منه مؤتمر وارسو لجهة مواجهة ايران، و هذا ما يؤكده “مايكل سينغ” في لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأمريكي، أثناء شهادته أمام الكونغرس الأمريكي، إذ يقول:” تمر الولايات المتحدة في خضم تحوّل استراتيجي واسع بعيداً عن التركيز على الحرب العالمية على الارهاب ونحو التشديد على التنافس بين الدول العظمى، وخاصة مع روسيا والصين، وفي حين أن خيارات السياسة المنفصلة التي تشهد هذا التحول ما تكون مثيرة للجدل، إلا أن التغيير في التوجه الاستراتيجي هو الذي اتبعته الإدارات الأمريكية المتعاقبة و يعكس إجماعا عميقا بين الحزبين”.

و يضيف سينغ:” ويكمن التحدي الذي تواجهه الولايات المتحدة في الشرق الأوسط في كيفية تأمين مصالحها في المنطقة ومنع المنافسين من تحقيق المكاسب على حسابها، وفي الوقت نفسه إعادة تخصيص الموارد من التزامات تجاه الشرق الأوسط نحو أولويات أخرى، إن الإجابة الأكثر وضوحاً التي يتم تطبيقها إلى حد ما، هي العمل بأكبر قدر ممكن من خلال الحلفاء في المنطقة، وتكملة جهودهم بدعم أمريكي محدود، و مع ذلك فإن هذا النهج معقد من الناحية العملية”.

ضمن سياق شهادة “مايكل سينغ”، الواضح أن التوجه الأمريكي الجديد، يقتضي الاعتماد على الأدوات بُغية تمرير الاستراتيجية الأمريكية، و هذا ما بدا واضحا في إطار وراسو، إذ عملت واشنطن من خلال المؤتمر، على جمع العرب و اسرائيل ضمن هدفين، يُراد لهما أن يكونا عنوان المشهد القادم للتطورات التي ستنطوي عليها مسارات الشرق الأوسط، فما بين إعلان صفقة القرن بكافة بنودها و جزئياتها، و محاربة ايران و الحد من نفوذها و تأثيرها الإقليمي، تكمن جلّ التوجهات الأمريكية الساعية و الرامية إلى خلقّ إصطفافات جديدة تكون اسرائيل عرابتها.

روسيا و الصين و الاتحاد الأوروبي يدركون حقيقة مفادها، أن الخطة الأمريكية المُساماة بصفقة القرن إنما هي استثمار للواقع السياسي القائم في الشرق الأوسط، في محاولة لتعديل ذلك الواقع بما يتناسب مع مصالحها الاستراتيجية، والذي سعت روسيا سلفاً إلى تغيير هذا الواقع من خلال عودتها للشرق الأوسط عبر البوابة السورية،  ووضعت موطئ قدم ثابت لها في المنطقة وذلك ضمن تفاهم إيراني تركي، و تخطو روسيا اليوم خطوة متقدمة في هذا الصدد بانخراطها القوي في ملف المصالحة الفلسطينية عبر مؤتمر موسكو والذي تراهن على نجاح محاولتها في رأب الصدع الفلسطيني، لأنه ببساطة سيمثل خلخلة كبيرة للخطة الأمريكية التي أحد ركائزها الأساسية استمرار الانقسام الفلسطيني، وتراهن كذلك على نتائج مؤتمر سوتشي لرسم خطة نهائية لحل الأزمة السورية.

في اشارة لابد منها و التي تُشكل نقيضاً جوهرياً لـ مؤتمر وراسو، فقد تزامن انعقاد وارسو مع مؤتمر سوتشي الذي جمع روسيا و تركيا و إيران، و ضمن هذا المشهد البانورامي، يبدو واضحا أن الصراع بين القوى الإقليمية و الدولية على ترتيب مناطق النفوذ الدولية، خاصة منطقة الشرق الأوسط، يتجلى في أكثر الصور وضوحا، فما بين المؤتمرين تُبنى سياسات و تتبلور إصطفافات، الأمر الذي يشي ببروز صراعات جديدة ستُعمر لوقت طويل في الشرق الأوسط.

ضمن ما سبق من معطيات، يمكننا القول بأن مؤتمر وارسو في بولندا وسوتشي في روسيا، هما مبارزة تشبه تنازع القوى العظمى قبل الحرب العالمية الأولى على الشرق الأوسط، حيث أن روسيا والولايات المتحدة اللتان نظمت كل واحدة منهما قمة خاصة بها، فكان التنافس على التأثير واضحا يوم الخميس في وارسو، الذي جمعت فيها الولايات المتحدة 60 دولة لبناء تحالف ضد إيران، وفي القمة الثلاثية التي عقدها فلاديمير بوتين في سوتشي مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان والإيراني حسن روحاني، وكان موضوعها الأساسي سوريا.

صحيفة “إندبندنت” البريطانية، قالت في تقرير لها أن قمة وارسو، التي حضرها نائب الرئيس الأميركي مايك بنس ووزير الخارجية مايك بومبيو وصهر الرئيس جارد كوشنر، عقدت تحت شعار “مؤتمر سلام”، إلا أنها كانت محاولة لدفع الحلفاء المترددين للمشاركة في تحالف دولي تقوده واشنطن ضد إيران، ويضم إسرائيل ودول الخليج، ويورد التقرير نقلا عن بنس، قوله في كلمته أمام المؤتمر، إن “قادة المنطقة يتفقون على أن التهديد للسلام والأمن في الشرق الأوسط يتمثل في الجمهورية الإسلامية في إيران”، وذلك في خطابه الذي ألقى فيه الضوء على شجب إرهاب تنظيم الدولة وشجب الشعوبية الإسلامية الإيرانية “بحسب كلام مايك بنس”، وقال بنس إن إيران دعمت المليشيات والجماعات الوكيلة، والنظام الإيراني يعد أكبر راع للإرهاب في العالم”.

وتفيد الصحيفة بأن قادة إيران وروسيا وتركيا اجتمعوا برفقة مسؤولين عسكريين في منتجع سوتشي على البحر الأسود في الوقت ذاته، في محاولة من موسكو لإدارة تداعيات حرب الثماني سنين في سوريا، التي أصبحت نقطة رئيسية للتنافس الإقليمي.

و تُلفت الصحيفة إلى أن مبعوث السياسة الإيرانية في الخارجية الأميركية بريان هوك، قلل من أهمية اجتماع سوتشي، وأكد أهمية الاجتماع الذي تقوده الولايات المتحدة، قائلا: “ليست عملية متوازية، وقد دعونا روسيا، وأعتقد أنها كانت فرصة لا تفوت”.

ويجد التقرير أن التحالفات الفضفاضة تعاني من خلافات وانقسامات تحمل إمكانيات التفجر، مشيرا إلى أن هذه هي المرة الرابعة التي تلتقي فيها الترويكا لمناقشة مستقبل سوريا في سوتشي، وهي المرة الأولى منذ إعلان الولايات المتحدة عن خططها لسحب قواتها من المنطقة.

وتستدرك الصحيفة بأنه رغم اتفاق الزعماء الثلاثة على موضوع سوريا، إلا أن القضايا الثلاث على الأجندة هي محل خلاف، فقد كشف انسحاب الأميركيين عن خلافات في الرأي بين الثلاثي، خاصة فيما يتعلق بمستقبل منطقة شمال شرق سوريا، التي تسيطر عليها وحدات كردية بدعم أميركي، وتريد تركيا، التي تتعامل مع الأكراد على أنهم تهديد، مغادرة الوحدات الكردية، وأصدر أردوغان في بداية الأسبوع تحذيرا حدد فيه أسابيع لمغادرة المناطق الحدودية مع بلاده، وهو أمر لا يناسب لا روسيا أو  إيران.

في المقابل، لفت التقرير إلى أن التحالف الذي تقوده أميركا يعاني من النزاع والخلافات، فيقول مسؤول الشرق الأوسط في معهد أبحاث الشؤون الخارجية آرون ستين: “كلا المؤتمرين في ورطة”، مشيرا إلى أن “وارسو هو مؤتمر دون أجندة، وعندما لا تكون لديك أجندة، فإن هذا يعني عدم وجود اتفاق، ودونه فأنت محروم من النصر الدبلوماسي لتحقيق الأهداف، أما سوتشي فلديه أجندة مشتركة لوقف الحرب السورية، لكنْ هناك خلاف على الأجندة”.

وتستدرك الصحيفة بأنه رغم تباهي وزير الخارجية البولندي بحضور 60 دولة، إلا أن معظم الدول الأوروبية تجنبت إرسال مسؤولين بارزين، بل كانوا من الدرجة الدنيا وموظفين في الخدمة المدنية، مهمتهم تسجيل الملاحظات، مشيرة إلى أن المؤتمر غلف بالسرية، ولم يتم الإعلان عن أسماء المشاركين، مع أن دول الخليج أرسلت وزراء خارجيتها.

بالتالي، النقطة المحورية التي شكلت في جزئياتها تباينا واضحا في مشهدية صراع المحاور، تمثلت في القرار الأمريكي بالانسحاب من سوريا، الأمر الذي أحدث قلقا سياسيا لدى حلفاء واشنطن، و لهذا السبب يتم التفكير في كيفية التعامل مع المستجد البارز و المؤثر على هيكلية التحالفات و الاصطفافات في القادم من التطورات، ليكون وراسو و على الرغم من تهيئته ليكون انطلاقة امريكية خليجية اسرائيلية في الشرق الأوسط الجديد، وفق رؤية أمريكية بكل تأكيد ستصدم بحلف روسي ايراني سوري، فضلا عن تداعيات الانتصار السوري، و تأثير هذا الانتصار على المسارات المتداخلة في الشرق الأوسط، و عليه فإن انتصار محور المقاومة في سوريا، و الصعود الروسي الفاعل و المؤثر في قضايا اقليمية و دولية عدة، كل هذا سيكون من شأنه وضع اسفين في مؤتمر لا يحمل سوى التطلعات و الأمنيات البعيدة عن الواقع كلياً.

في هذه الأجواء، و بعد مراكمة البيانات السياسية و الميدانية، و في خضم المؤتمرات، تقترب الدولة السورية و حلفاءها من حسم المعطيات و نتائجها، هي نتائج لا تعرقلها الاعتداءات الاسرائيلية، أو المناورات الأمريكية التي تتخذ من المؤتمرات نهجا لسياسة جديدة، و بالتالي لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن يتم عرقلة مسار التطورات السورية و التي تفرض توازنا إقليميا يقابله اختلال في ميزان التوازن الدولي، ليتم نقل محور واشنطن إلى غرفة إنعاش سورية روسية ايرانية، أما تركيا التي تبحث صيغ التداول السياسي مع طرفي استانا و سوتشي، فالواضح أنها تتماثل للشفاء مع عناية مركزة روسية، و هذا يترتب عليه حُكما توافقات حول اللجنة الدستورية السورية، و ملفي إدلب و شرق الفرات، و هذا أيضا مرتبط بدوره بما تم فرضه من ثقل سياسي و عسكري سوري لجهة تطوير المسارات و تشبيك التحالفات، و عليه فإن صفو التحالفات الجديدة لن تُعكره صراعات جانبية على شاكلة وراسو، طالما أن الهدف الاستراتيجي السوري يسير وفق خطة وضعت بذكاء قل نظيره، و عليه فإن القادم من التحالفات و الاصطفافات إقليميا و دوليا، ستكون مرتبطة بشكل مباشر و بالقطع بما يخلص إليه الشأن السوري.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى