سمير القنطار.. دماءٌ خالدة ’على طريق القدس’

جاهد حتى الرّمق الأخير. “على طريق القدس” حيث يَعشق، كتب سمير القنطار آخر الحروف في حكاية جهاده الطويلة.. فكان الختام شهادة وضعها عميد الأسرى المحررين من سجون العدو نصب عينيه مُذ كان عمره 16 ربيعاً.. هو الذي توعّد عدوّه يوم خروجه من الأسر بعد 30 عاماً “لم أعد من فلسطين.. إلا لكي أعود إلى فلسطين..”. بين سمير والعدو الاسرائيلي تاريخ من الصراع لن ينتهِي مع الاغتيال الغادر للقنطار. فالعدو يدرك أنه أمام مقاومة توقد مشاعل نصرها من دماء شهدائها.

كيف لا تتودد الشهادة الى سمير وهو الذي أجاد الجمع في مسيرة حياته بين كل أشكال النضال. جمع القنطار بين العمل المقاوم في ريعان شبابه، حيث أصيب في عملية نهاريا الشهيرة، والأسر بعدها لمدّة 30 عاماً. لم يخرج المقاوم من سجون العدو ليقنع نفسه أنه “أدّى قسطه للعلى” في ميدان الجهاد. لم يتقاعد. أصرّ أن يكون ضمن مسيرة المقاومة ضد الكيان الغاصب. أكمل طريقه مدافعاً عن “الأمة”، فكان “حيث يجب أن يكون”. يقول مراسل قناة “المنار” سومر حاتم “وقع لي الشهيد سمير القنطار على كتابه قصتي عام 2011 الذي قرأته عدة مرات وعندما التقيت هذا الرجل الأسطوري في سورية مؤخرا وكان يعمل مع المقاومة إلى جانب الجيش السوري في الحرب على الإرهاب قلت له يجب أن ينجز فيلم سينمائي عن قصتك التي تعتبر ملحمة … أجاب مبتسما : ” بعد بكير ” .. لربما كنت تعلم أيها القائد الواثق أن القصة لم تختتم بعد وما زال هناك الجزء الأهم الذي كتبته بدمك …”. من يعرف الرجل يُدرك جيداً أن مثله لا يليق به الرحيل الا شهيداً.

مُفجعٌ هو صباح الشهادة. بقدر ما يحمل معه خبر ارتقاء الروح في ساحات الجهاد والمقاومة مشاعر العزّ والافتخار، يحمل معه كذلك ألم الفراق. لكن قلّة هم من يرسمون صوراً خالدة بعد رحيلهم. القنطار بحياته وشهادته، خلّد ذكراه. ستذكر الأجيال أن شبلاً من لبنان خاض البحر ضمن مجموعة مقاوٍمة، في زمنٍ كانت فيه المقاومة “ضرباً من الجنون” -بحسب المثبّطين الكثر- نحو نهاريا، جُرج فأٌسر. سيحكي التاريخ، عن قنطار كان حراً بين أيدي سجّانيه، بارادة مقاوم عنيد لا يتخلى عن القضية، في زمن خان فيه أعرابٌ كثر قضية فلسطين فدخلوا زنازين العدو طوعاً. سيسجل التاريخ للقنطار خطابه الشجاع أمام الآلاف من جماهير المقاومة يوم تحريره من الأسر مع رفاقه، مؤكداً على الثوابت في النضال والمقاومة ومتابعة الطريق. سيخلّد التاريخ قنطاراً لاحق الموت من فلسطين الى الشام “على الطريق القدس”، عارفاً بعدوّه، في زمن صارت فيه الحروب العبثية ترفاً، ودفع فيه ملوك العرب ملياراتهم في سبيل تغيير بوصلة الشباب العربي من العداء لـ”اسرائيل” نحو العداء لأبناء الوطن والدين الواحد.

للقنطار أب وأخت غادراه وهو في الأسر دون أن يكحّل عينيه برؤيتهما. تماماً كما غادر هو “أم جبر”، تلك الأمّ الفلسطينية التي تبنّته خلال أسره. كان الشهيد قد وصفها في “إهداء” كتابه “قصتي” بـ”أم جبر التي تحمل قسمات وجهها حقبة معاناة طويلة، أنا أحد عناوينها”. كيف تُراها تودّعه اليوم من بعيد؟

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى