رقطاء الرمال المتحركة: طريق عرفات إلى أوسلو عبّدها آل سعود

لقد علّمنا التاريخ أنّه لا يتآمر… لكنّه يسجّل المؤامرات. 

لم تعلّق المملكة العربية السعودية منذ إنشائها طرح مشاريع الإجهاز على القضية الفلسطينية، فقد كان من الضروري بإستمرار أن تعمل المملكة على تحقيق المشيئة الصهيونية في أرض فلسطين حتّى تفي بوعودها الّتي قطعتها للإستعمار البريطاني بإعطاء فلسطين للمساكين اليهود، ولذلك كانت المملكة تنبري دائماً إلى طرح مشاريع القضاء على القضية الفلسطينية أو ما يسمّى إصطلاحاً بمشاريع التسوية الّتي شكلّت الطعم الّذي وجد طريقه إلى أغلب القيادات الفلسطينية والعربية الّتي وقعت في شرك إئتمان المملكة على قضاياها ومقدّساتها، وازدادت حدّة هذه المؤامرات السعودية بإسم مشاريع التسوية مع إسرائيل بعد هزيمة حزيران 1967م وتوقيع كامب دافيد عام 1978م، وشعرت عندها المملكة بنشوة نجاحها في إخراج مصر من كنف الصراع العربي –الصهيوني، وراحت ترصد جهوداً مضنية وسعت بكل ما تملك من إمكانيات ماديّة وسياسية للضغط على قيادة الثورة الفلسطينية ممثّلة بالرئيس ياسر عرفات لإكراهه على القبول ببدء مفاوضات سريّة مع الصهاينة من أجل التوصّل إلى تسوية سلمية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي وانتهجت في سبيل هذه الغاية منهجاً لا يقل خبثاً عن منهج مؤسس المملكة عبد العزيز آل سعود الّذي تسلّح بالمكر والغدر والخداع والتضليل حينما إنبرى لمهمّة رعاية الكيان الصهيوني في فلسطين عام 1948م.

وهكذا ومرّة جديدة يواصل سعود الفيصل وزير خارجية المهلكة السعودية سياسة السير بالقضية الفلسطينية في متاهات بيع الوهم للقادة الفلسطينيين وإيهامهم بأنّ المفاوضات هي طريق الشعب الفلسطيني وأمله في إستعادة الحقوق واسترداد المقدّسات.

ويكفي أن نستدل على هذه المؤامرة السعودية الجديدة بكشف النقاب عن رسالة بعث بها وزير الخارجية السعودية سعود الفيصل إلى ياسر عرفات في 8 تشرين الثاني عام 1981م وقام بتسريب هذه الرسالة أحد القيادات الفلسطينية الّتي إشتهرت بمعارضتها لكل المقترحات السعودية ويدعى صلاح خلف ( أبو أياد ) وردّت السعودية على هذا التسريب باغتياله على يد العميل حمزة أبو زيد في تونس.

ورد في نص الرسالة السعودية: « … أبو عمّار ليس لكم بديل عن المفاوضات لأنّ الدخول في عملية سياسية سيوقف حالة التدهور وينقذ ما يمكن إنقاذه، وربّما يوقف الإستيطان وينهيه وينقذ القدس من التهويد… أنا أعدك أنّنا سنستخدم علاقاتنا ونفوذنا وكل ما نملك من إمكانيات للوصول بالمفاوضات إلى إقامة دولة فلسطينية على حدود عام 1967م وعاصمتها القدس ».

إنّ كل ما يمكن أن يقال بعد قراءة أبعاد هذه الرسالة السعودية ومضامينها التآمرية أنّ العقلية السعودية هي ذاتها والمشروع السعودي هو نفسه… فسعود الفيصل من حيث جوهر هذه الرسالة لم يبتكر أي جديد بل إنتهج سنة آبائه وأجداده في الخداع والتضليل ولم يكن سوى الإبن البار في محفل إغتصاب فلسطين وتهويدها وإقامة الدولة الإسرائيلية وتهجير القسم الأكبر من الشعب الفلسطيني.

صحيح أنّ الإتّجاه الّذي سلكه سعود الفيصل في عملية التصفية النهائية للقضية الفلسطينية لا يلتقي رسمياً وفي تفاصيله الظاهرة مع الإتّجاه الّذي يعلنه الصهاينة أو الإدارة الأميركية لاعتبارات تمس المصلحة السعودية وتكتيكاتها على الصعيدين العربي والإسلامي، لكن مقام السعوديين في الإطار العام الّذي يخدم الصهاينة وأهدافهم محفوظ وإلاّ من ذا الّذي وطّد حكم آل سعود في الجزيرة العربية وسلّحهم وموّلهم ودعمهم ورعاهم غير اليهود… من فيلبي وشكسبير و…. وجعلوا من المملكة مجرّد قاعدة إستعمارية تنطلق منها غربان الدسائس والمؤامرات.

وفي خضم هذا المكر السعودي لم يحسن الرئيس ياسر عرفات إدارة لعبة معقدّة خصوصاً وأنّه لم يستطع يوماً فهم النوايا الحقيقية للمملكة السعودية وعجز عن إدراك كنهها على مستوى كيانها وأهدافها ووظيفتها كما أنّه تعاطى بسبب هذا العجز مع مبادراتها للسلام – للإستسلام – بصفتها دولة عربية ترغب في إرساء قواعد السلام الشامل والعادل في الشرق الأوسط وغاب عن خلده أنّ السعودية ليست سوى طرفاً شريكاً للصهاينة في دسائسهم ومؤامراتهم على فلسطين، وبدأت عندها مسيرة الإنعطافة الفلسطينية بقيادة منظمة التحرير إستجابة للضغوط السعودية الّتي تجلّت بداية ً بتعليق الدعم المالي للثورة الفلسطينية، وثانياً في محاصرة منظمة التحرير وفرض عزلة سياسية عليها بعد أن نجح النظام السعودي بجر النظام الأردني إلى صدام مباشر مع المقاومة الفلسطينية وطردها من الأردن عام 1970م بالإضافة إلى الظروف البالغة الصعوبة الّتي واجهتها المنظمة بعد حرب الخليج عام 1990م وخسارة ياسر عرفات لحليفه الأقوى صدّام حسين بعد هزيمة العراق عسكرياً وانتهاءً بتفكك وانهيار الإتحاد السوفياتي الّذي آل إلى تشكّل نظام عالمي أحادي القطبية تقوده الولايات المتّحدة الأميركية، أمام هذه العوامل وجد ياسر عرفات نفسه وقد أصبح بلا عمق عربي أو غطاء دولي ضمن معادلة مختلفة، وفي هذا المناخ تمثّل الإنعطاف الأوّل بالتخلي عن الثوابت الّتي قامت على أساسها الثورة الفلسطينية، أمّا الإنعطاف الثاني فكان القبول بقرارات الأمم المتّحدة ومجلس الأمن الدولي ومن ضمنها الإعتراف بقرار تقسيم فلسطين وحق إقامة الدولة الإسرائيلية ومن ثمّ قرار المجلس الوطني العشرين الّذي وافق من حيث المبدأ على المشاركة في مؤتمر مدريد إستجابة للرغبات السعودية، وبدأ مسار جديد سقطت فيه كل اللآت الفلسطينية « لا إعتراف بالدولة الإسرائيلية، لا للصلح، لا للمفاوضات المباشرة ».

وجاء الإنعطاف الأخطر الّذي أثلج صدور السعوديين في توقيع إتفاق أوسلو عام 1994م تتويجاً للإنعطافة الأولى والثانية بحيث وضع هذا الإتفاق القضية الفلسطينية على مذبح التشريح الصهيوني وقضمها على طريقة الحلال السعودي.

ويمكن أن نلّخص الإتفاق الّذي أبرم بين منظمة التحرير الفلسطينية ممثلة برئيسها ياسر عرفات والحكومة الإسرائيلية ممثلة برئيسها إسحاق رابين بما يلي: بقاء الإحتلال الإسرائيلي والسيادة الصهيونية على فلسطين كلّها بما في ذلك قطاع غزّة والضفّة الغربية أمّا الإنسحاب من القطاع وبعض مناطق الضفّة وإقامة نوع من الحكم الذاتي فيها فهو إنسحاب تكتيكي من المناطق الآهلة حيث المقاومة والإنتفاضة وتسليم الأمن فيها للشرطة الفلسطينية وبالتالي إعفاء الإحتلال من مغبة الإصطدام المباشر بالفلسطينيين، فلم يتضمن هذا الإتفاق زوالاً نهائياً أو تدريجياً للإحتلال ولو عن بقعة واحدة أو إستعادة سيادة حتّى على شبر واحد، والأهم من ذلك تم الإلتفاف على قضية القدس وحق العودة وقضية اللاجئين والماء والحدود من خلال تأجيل الخوض في مصيرهم لمرحلة قادمة بعد توقيع الإتفاقية.

سنترك محاكمة موقعي الإتفاقية للتاريخ فتلك مهمّته ولن يفيدنا كثيراً توجيه اللوم للقيادة الفلسطينية الّتي أبرمت إتفاق أوسلو ووقعّت عليه لأنّنا سوف نغرق في دوّامة الحوار العبثي بين مؤيد لها ومعارض، لكن من السهل علينا الآن وبعد مضي أكثر من عقدين على إبرامها أن نقول أنّ إتفاقية أوسلو لم تكن سوى خدعة سعودية إرتقت إلى مستوى الحروب الّتي شنّها الصهاينة على الشعب الفلسطيني لأنّ تداعياتها الكارثية عجزت عن تحقيقها آلة القتل الإسرائيلية ممّا يدلّل على خيانة عظمى أقدمت عليها دولة لقيطة لازالت حتّى اليوم مستغرقة في غيّها وطغيانها وعمالتها وهو ما يتمثّل جلياً في حروبها العبثية على سوريا والعراق واليمن وحقدها الأسود على حركات المقاومة العربية، ففي نكبة عام 1948م خسر الفلسطينيون 78% من الأرض وتم تهجير معظم الشعب الفلسطيني وارتكبت المجازر بحق من تبقى منهم وفي نكسة حزيران 1967م ضاع ما تبقى من أرض فلسطينية، أمّا إتفاق أوسلو المشؤوم فتداعياته فاقت مخاطر هذه الحروب مجتمعة لأنّه استهدف إجتثاث القضية من جذورها من خلال شرعنة الإحتلال وتدجين المقاومة وعزل القضية عن عمقها العربي ناهيك عن ضرب وحدة الصف الفلسطيني وتقسيمه إلى جماعات بعضهم في القدس وبعضهم في الضفّة وبعضهم في أراضي 48 وآخرون في القطاع.

ولكن البعد الأخطر في هذا الإتفاق يتمثّل في هذا الإعراض الخطير عن الإهتمام بقضية فلسطين مع تسليم الجميع لفظياً على الأقل بأنّها أم القضايا إذ ليس تفصيلاً أنّ القضية الّتي كان ينقسم عليها الحزب الواحد إلى حزبين في مؤتمر ما لم تعد تستحق منه أكثر من فقرة صغيرة في برنامجه أو جملة إعتراضية في بيانه السياسي، والقضية الّتي كانت تسيل مداد الكتاب من مؤلّفات ودراسات ومقالات أصبحت بالكاد تعثر على رأي منشور في صحيفة أو مجلّة، والقضية الّتي كانت تحتل نشرات الأخبار والبرامج السياسية في الشاشات والإذاعات أصبح الإتيان عليها بالذكر في حكم النادر، هذا كلّه غيض من فيض ما آلت إليه القضية الفلسطينية بعد أوسلو الّذي كان أوّلاً وأخيراً إسرائيلي الهوية سعوديّ الهوى.

لقد كنّا قبل إتفاق أوسلو نتحدث عن قضية الوجود الصهيوني في فلسطين ثمّ أصبحنا بعده نتحدّث عن الحدود والمستوطنات والأمن! وشتّان!!

وفي الختام نستحضر فلسفة الأديب والمفكّر الفلسطيني غسّان كنفاني وما انتهت إليه من أنّ “السعودية وراء كل خيانة، إذا وقعت خيانة في أي مكان إبحثوا عن السعودية”.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى