رقطاء الرمال المتحركة: طريق آل الجميّل إلى 17 من أيّار عبّدها آل سعود

ليست العلاقة بين المملكة السعودية ودمامل الإستعمار في المنطقة ومنها لبنان مجرّد علاقات طارئة أو عابرة، وليست علاقاتها باليمين المسيحي المتمثّل آنذاك بأركان الجبهة اللبنانية ( الكتائب والأحرار ) وليدة لحظات سياسية طارئة فرضتها وقائع الحرب الأهلية اللبنانية ( 1975 – 1990 )، إنّها علاقة إستراتيجية تحتمها طبيعة الوظيفة المنوطة بكلا الطرفين من قبل المخابرات الأميركية والإسرائيلية.

فلن يحتاج المرء إلى بذل كثير من الجهد لإثبات عمالة آل سعود واليمين المسيحي في لبنان لدولة الصهاينة في فلسطين، فهذه العمالة قديماً وحديثاً موثقة بالصوت والصورة وأقرّ بها الطرفين في أكثر من مناسبة، لكن نعم قد نحتاج إلى بذل جهوداً مضنية لإكتناه أسرار وخفايا الوظيفة الّتي حكمت طبيعة العلاقة بين المملكة السعودية واليمين اللبناني بسبب حرص الطرفين على إبقاء هذه العلاقة في كواليس العتمة السياسية والإعلامية بغية تحقيق الأهداف المرجوة منها على المستوى اللبناني .

ففي سنة 1917م بارك آل سعود صدور وعد بلفور واعترفوا به، وفي سنة 1936م مارس عبد العزيز آل سعود ضغوطاً فجّة كان لها عميق الأثر في إخماد الثورة الفلسطينية.

وفي سنة 1947م تقاعس آل سعود عن نصرة الجيوش العربية الّتي خاضت الحروب ضد العصابات الصهيونية لإجهاض قرار تقسيم فلسطين. وحتّى عندما تفاقمت الضغوط العربية على القيادة السعودية للإستجابة لمطالب الثوّار العرب والفلسطينيين أرسل عبد العزيز بعض القطع الحديدية الّتي لا تصلح حتّى لاصطياد الطيور.

وفي سنة 1948م وبعد إعلان الدولة الإسرائيلية سقط القناع نهائياً عن وجوه آل سعود الصفراء وتمظهرت تلك العمالة الّتي تجري في عروقهم دون توقف، وخشية إرتداد السخط العربي على عروشهم سارع آل سعود إلى احتواء أي ردة فعل عربية تنفجر بوجه تآمرهم وامتصاص حالة الغضب الإسلامية جرّاء هذا الرياء السعودي واختزلوا التكفير عن مؤامرتهم بالدعاء يوم الجمعة من على منابرهم بأن يقطع الله نسل اليهود ويهزمهم ويشتت شملهم وتناسى هؤلاء القابعين من رجال دين وهابيين وملوك وأمراء سعوديين والجاثمين في مساجد الردّة كالخراف أنّ الله لا يستجيب دعوة الزاني إذا دعاه، وأنّ التحرير لا ينجزه التنابل الحالمين بالصلاة في القدس حين يعود عمر أو صلاح الدّين، وفاتهم أنّ الوضوء زمن الإحتلال لا يكون بدماء العمالة الرخيصة وإنّما بدماء المجاهدين الشرفاء اللّذين يعيشون كالرجال ويموتون كالرجال هؤلاء هم من صدقوا الوعد فصادقتهم مشيئة الكرامة والحرية.

أمّا سنة 1967م فقد كان دور آل سعود حاسماً من حيث الشكل والجوهر في التحريض على استهداف مصر وسوريا واحتلال جزءاً كبيراً من أراضيهما.

وبعد مسرحية حرب تشرين 1973م إستطاعت إسرائيل وبمكرٍ سعودي إرغام مصر على توقيع معاهدة إستسلام تخرجها من دائرة الصراع مع الصهاينة وتجاذباته حتّى يتسنّى لها تصفية القضية الفلسطينية بعد تأمين حدودها مع مصر ولكن ثمّة عقبات أخرى كانت تحوّل دون التصفية المطلقة للقضية الفلسطينية وأهمها مناوئة دول الطوق لها ( لبنان وسوريا ) ومواجهة مشروعها، الأمر الّذي حدا بالمملكة السعودية الشروع بسياسة الضغط على دول الطوق لإرغامها ترغيباً وترهيباً على السير في طريق المفاوضات مع إسرائيل بغية التوصّل إلى معاهدات سلام شاملة على غرار كامب دافيد تتيح للصهاينة تشكيل حزام أمان حول معصم الدولة الإسرائيلية، ومن وحي هذا الإلهام السعودي – الصهيوني الجديد حضن آل سعود الزعيم الماروني بشير الجميّل لإدراجه في مخطّط تمرير إتفاقية سلام بين لبنان وإسرائيل وهو ما أكدّه القيادي الكتائبي جوزيف أبي خليل في الجزء التاسع من وثائقي حرب لبنان أعدته قناة الجزيرة القطرية بقوله: « لم ينتخب صدفة بشير الجميّل، إنتخابه جاء في إطار مشروع شرق أوسطي، مشروع يتبع كامب دافيد، وأنّ الإتفاق مع لبنان سيتبعه إتفاقاً مع الأردن فتصبح سوريا معزولة، وعزل سوريا يرغمها على الدخول في مفاوضات مع إسرائيل »٦٩.

إذن وبإقرار من أهل البيت فإنّ بشير الجميّل هو مفتاح باب السلام في المنطقة بين العرب وإسرائيل لأنّ أي سلام مفترض بين إسرائيل ولبنان سيتمخّض عنه إنهيار جدار العداء العربي الرسمي مع الصهاينة وستتهاوى منظومة الدول الممانعة في المنطقة وهو ما سيفتح شهية كل الأنظمة العربية وخصوصاً المترددة منها على مائدة السلام المزعوم مع إسرائيل، وفيما كانت العلاقة بين الصهاينة وبشير الجميّل تتوثق وبرعاية سعودية كاملة بدأت هيئة الأركان العامّة في الجيش الإسرائيلي تعد العدّة لإجتياح لبنان، وفي معمعة التمهيد للإجتياح زار وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك آرييل شارون لبنان والتقى بشير الجميّل بحضور شخصية أمنية سعودية يرشّح أنّها الأمير تركي الفيصل وتباحث المجتمعون في كيفية الإنقضاض على مفاصل الدولة اللبنانية تزامناً مع الإجتياح الإسرائيلي وتعهّد الأمير تركي الفيصل بأن يدعم المسلمون الموالون للسعودية أي نظام ينبثق عن هذا الإجتياح، وعندما عاد شارون إلى الأراضي المحتلّة منتشياً بتفائله قال: « لقد ربطت أرجلهم، كل شيء جاهز من أجل الحرب وهم سيكونون شركاؤنا فيها »٧٠.

وفي 15 شباط من عام 1982 أعلن رئيس الحكومة الإسرائيلية مناحيم بيغن رسمياً « أنّ بشير الجميّل سوف يكون رئيساً لجمهورية لبنان »٧١.

وعلى وقع الإجتياح الإسرائيلي للبنان قام بشير الجميل بزيارة خاطفة إلى المملكة السعودية من أجل إلتماس مقاربتها لملف الإنتخابات الرئاسية في لبنان وحصل منها على إجابة شافية على لسان وزير خارجيتها المقبور سعود الفيصل: « نقبل بك رئيساً لجمهورية لبنان شريطة تسديد الفاتورة كاملة عند بلوغك سدّة الرئاسة وهي الدخول بمفاوضات مباشرة مع إسرائيل وصولاً إلى معاهدة سلام لبنانية – إسرائيلية على غرار كامب دافيد ».

ويعلّق القيادي الكتائبي إيلي حبيقة على هذه الزيارة والنتائج الّتي تمخّضت عنها بقوله: « ذهب بشير الجميّل قبل انتخابه رئيساً إلى السعودية وعاد منها معزّزاً مكرّماً »٧٢.

وبعد أن تبوّأ الجميّل سدّة الرئاسة على ظهر الدبابات الإسرائيلية شرع في تنفيذ التزاماته بوضع الصيغة النهائية لإتفاقية تطبيع العلاقات مع إسرائيل ولكن الإرادة الوطنية اللبنانية حالت دون توقيع الجميّل إتفاق الإذعان مع الصهاينة عندما قامت المقاومة الوطنية بعملية إستهداف بطولية أودت بحياة بشير الجميّل وأفل عندها نجم أحد أعتى عملاء الصهيونية والرجعية في الشرق الأوسط، ولكن لأنّ أزمة العمالة في لبنان ليست أزمة أفراد وجماعات كما هي الحال مع الكيان السعودي بل أزمة نظام يجثو على ركبتيه استجداءً للمال السعودي والرضا الأميركي، فقد كان بإمكان هذا النظام الطائفي إنتاج عملاء من فئة بشير الجميّل طالما المال السعودي يفيض عطاءً في سوق الخيانات العربية، فسارعت المملكة السعودية إلى تدارك الوضع وضغطت على البرلمان اللبناني للإستعجال في عملية إنتخاب أمين الجميّل رئيساً للجمهورية، لأنّ أمين الجميّل كان قد قدّم أوراق اعتماده للسفارة السعودية في بيروت وعبّر عن رغبته الملحّة بالسير على خطى شقيقه بشير بتوقيع إتفاق سلام مع الصهاينة وبعد إنتخابه رئيساً إنطلق قطار المفاوضات بين خلدة وكريات شمونة حتّى إستقر في محطة السابع عشر من أيّار 1983، وبهذا الإتفاق المشؤوم كاد أن يدخل لبنان العصر الإسرائيلي من بوابة آل الجميّل، لكن الشعب اللبناني كان له رأي مغاير تماماً فتكونت جبهة سياسية من القوى الوطنية اللبنانية قادها الأستاذ نبيه بري وقد آزرت هذه الجبهة بجناحها العسكري حركات الإحتجاج الشعبية الّتي عمّت مختلف المناطق اللبنانية للمطالبة بإسقاط إتفاق العار، وأمام حجم الضغط السياسي والعسكري والشعبي إنعقد مجلس النوّاب اللبناني في 5 آذار 1884 وقرّر إلغاء الإتفاق ومفاعيله بشكل رسمي ولا يمكن تجاهل الموقف المشرّف للرئيس الخالد حافظ الأسد عندما أعلن أنّ هذا الإتفاق لن يمر فكان لإعلانه أبلغ الأثر في إسقاطه قبل أن تولد مفاعيله.

ومنذ ذلك التاريخ بدأ فصل جديد من فصول الصراع اللبناني – الإسرائيلي لأنّ إسقاط هذا الإتفاق لم يكن سوى مقدمة للمعركة الكبرى الّتي تجلّت بأبهى صورها في الخامس والعشرين من أيّار عام 2000 وفي 14 تموز من عام 2006م.


٦٩ – جوزيف أبي خليل، وثائقي حرب لبنان على قناة الجزيرة الجزء التاسع
٧٠ – جمال أيوب، مقال بعنوان إجتياح لبنان ومذبحة صبرا وشاتيلا بتاريخ 24 أيّار 2014، موقع بانوراما الشرق الأوسط الإلكتروني
٧١ – كتاب حرب لبنان، آلان مينارغ ص 237
٧٢ – وثائقي حرب لبنان، الجزء التاسع 

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى